التصعيد في مضيق هرمز ... وتعليق المفاوضات.. واتفاق لبنان المشبوه.. والفجوة الطبقية
تصدرت ملفات مضيق هرمز والاتفاق اللبناني-الإسرائيلي والانقسامات الداخلية عناوين الصحف الإيرانية اليوم الأحد 28 يونيو (حزيران)، وسط تحذيرات من تحركات أمريكية تستهدف تقليص الأهمية الاستراتيجية للمضيق.
ورأت الصحف أن الاتفاق اللبناني يمثل التفافًا أمريكيًا على التفاهم مع إيران عبر فرض قيود على حزب الله، مؤكدة أن الأوضاع الاقتصادية تتطلب إصلاحات حقيقية لا وعودًا سياسية.
تكشف التحركات الأمريكية في هرمز، بحسب صحيفة "خراسان" الأصولية المقربة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن مرحلة ما بعد التفاهم تهدف لتقليص القيمة الاستراتيجية للمضيق كورقة إيرانية قبل اتفاق نهائي، عبر إنشاء ممرات بديلة وغارات محدودة.
بينما يعرض تقرير صحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، التصعيد الأخير في مضيق هرمز بوصفه نتيجة مباشرة لانتهاك الولايات المتحدة تفاهمات وقف إطلاق النار، ويربط بين التحركات الأمريكية واستمرار حالة الهشاشة التي تحيط بالتفاهمات الأمنية، معتبرًا أن واشنطن هي الطرف المسؤول عن إعادة التوتر إلى المنطقة.
ويفسر تقرير صحيفة "قدس" الأصولية، التحركات العسكرية الأمريكية على أنها محاولة لاستعادة الهيبة أمام الحلفاء وتبرير استمرار الوجود العسكري وصفقات التسليح في الخليج، بينما يمثل الرد الإيراني أقوى دليل على ترسيخ النظام الإيراني في إدارة مضيق هرمز.
ووفق صحيفة "همشهري" المحسوبة على بلدية طهران، يدرس فريق المفاوضات الإيراني تعليق المفاوضات الفنية مع الولايات المتحدة في سويسرا، ردًا على مهاجمة القوات الأمريكية منطقة سيريك جنوب إيران.
فيما ارتكز خطاب صحيفة "كيهان" الأصولية المتشددة، على تحويل مضيق هرمز لأداة ضغط دائمة، واعتبار أي تراجع بمثابة تفريط بالقوة، وتقديم المواجهة العسكرية باعتبارها الخيار الأكثر فاعلية في إدارة الصراع، كما يربط بين الرد على الضربات الأمريكية وبين تكريس النظام العالمي الجديد.
كذلك نشرت الصحيفة مقترح الباحث في العلاقات الدولية علي رضا معشوري، بشأن توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط لاستعادة الأصول المجمدة عبر تقييد مرور سفن الدول المحتجزة للأموال، مستندًا إلى منطق الردع الاقتصادي لتحقيق توازن في الضغوط وإجبار هذه الدول على إعادة حساباتها.
وفي مقاله بصحيفة "إيران" الرسمية، يرى أستاذ العلاقات الدولية عابد أكبري، أن أي ترتيبات أمنية بهرمز تستدعي مشاركة إيران كدولة ساحلية رئيسية، وإلا تفتقر للشرعية والاستقرار، إذ لم يعد جوهر الأزمة يقتصر على تأمين الملاحة؛ بل بمن يمتلك شرعية وضع قواعد إدارة المضيق وصياغة نظامه الأمني.
وترى صحيفة "شرق" الإصلاحية، أن التفاهم مع الولايات المتحدة لا يزال محكومًا بمنطق الردع المتبادل لا الثقة، حيث يربط كل طرف مستقبل المفاوضات بملفات هرمز ولبنان مع تضارب بالروايات، مما ينذر بانتكاس أي تقدم سياسي مع أول اختبار أمني.
وتقدم صحيفة "جوان" الأصولية المتشددة، التفاهم كثمرة لتفوق الردع العسكري الإيراني، وتدعو للحد من الانتقادات بدعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية، وتجمع بين التحذير المستمر من الولايات المتحدة بوصفها طرفًا غير موثوق، والدعوة إلى استثمار التفاهم لتحقيق مكاسب اقتصادية.
وانتقد تقرير صحيفة "سياست روز" الأصولية، ازدواجية السياسة الأمريكية التي تجمع بين التفاوض والضغوط العسكرية، مع استمرار العمليات الإسرائيلية بلبنان دون ردع، مما يكشف حدود قدرة واشنطن على تنفيذ تعهداتها.
على الصعيد اللبناني، يعارض حزب الله بحسب صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي، مع إصرار إسرائيلي على ربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب، ولذلك يعزز استمرار العمليات العسكرية الشكوك حول قدرة هذا الاتفاق على تحقيق تهدئة دائمة.
ويصف تقرير صحيفة "سياست روز" الأصولية، الاتفاق بمشروع إثارة الفتنة داخل لبنان وإضعاف المقاومة؛ حيث يربط بين استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب وبين مساع إشعال مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله.
واستعرض تقرير صحيفة "خراسان" ردود الفعل اللبنانية على الاتفاق، مؤكدًا أن غياب التوافق الداخلي يضعف فرص تفعيل هذا الاتفاق، ويحوله لمصدر أزمة جديد بدلًا من التسوية.
ويقدم تقرير صحيفة "كيهان" الاتفاق بوصفه اتفاقًا استسلاميًا يؤدي إلى تحويل الجيش اللبناني إلى أداة لمواجهة حزب الله، وإضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ويمهد لانقسام داخلي ويهدد وحدة البلاد.
وكذلك يقدم تقرير صحيفة "إيران" الرسمية، الاتفاق باعتباره تنازلًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا من جانب الحكومة اللبنانية، إذ يمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية، أبرزها الإبقاء على وجودها العسكري في جنوب لبنان إلى حين نزع سلاح حزب الله.
ويؤكد تقرير صحيفة "قدس" الأصولية، أن الاتفاق يعد التفافًا أمريكيًا على البند الأول من التفاهم مع إيران، عبر فرض قيود على حزب الله ومنح إسرائيل مكاسب أمنية، مما يمثل انتهاكًا غير مباشر للتفاهم ويستهدف تقليص نفوذ طهران الإقليمي.
ويصف تقرير صحيفة "جوان" الأصولية، الاتفاق بالمهين لأنه يفرط بالسيادة اللبنانية ويقوض المكاسب المرتبة على التفاهم الإيراني–الأمريكي بشأن وقف الحرب في لبنان، ويمنح إسرائيل حق التحكم في مستقبل الجنوب اللبناني ويهدد بتكريس الاحتلال لفترة طويلة.
اقتصاديًا، ووفق قراءة صحيفة "عصر رسانه" الإصلاحية، لبيانات مركز الإحصاء الإيراني عن شهر يونيو الجاري، فقد بلغ التضخم السنوي 62% بينما قفز التضخم على أساس سنوي إلى 88.6%، وأن ارتفاع الأسعار شمل السلع الغذائية والخدمات معًا، مع فجوة طبقية وصلت 68.5% للفقراء مقابل 60.1% للأغنياء، مما يؤكد أن الأزمة باتت بنيوية تستدعي إصلاحات هيكلية لا إجراءات مؤقتة.
وفي صحيفة "إيران" الرسمية، ربط أمين عام حزب نداء الإيرانيين شهاب الدين طباطبائي، نجاح التفاهم مع الولايات المتحدة بتحويل المكاسب السياسية لنتائج اقتصادية ملموسة، معترفًا بأن مشكلات إيران لا تقتصر على العقوبات بل تشمل اختلالات هيكلية تجعل الرهان على التفاهم وحده غير كافٍ.
ووفق صحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، فقد أثار اجتماع رؤساء السلطات الثلاث، التساؤلات حول جدوى التوافق في ظل غياب برامج تنفيذية، في وقت يرجح أن يكون احتواء انتقادات التيار المتشدد أحد أهدافه مع اقتراب جولات تفاوض جديدة مع الولايات المتحدة.
وفي صحيفة "مردم سالارى" الإصلاحية، فسر المراقبون إصرار بعض النواب على إعادة فتح البرلمان رغم الظروف الاستثنائية، كمحاولة لاستعادة منصة التيار المتشدد بالتوازي مع تنامي المسار الدبلوماسي، مما يثير تساؤلات عن سعيهم لتصعيد المواجهة مع الحكومة وإرباك التفاوض في مرحلة تحتاج إلى التهدئة.
والآن يمكننا قراءة المزيد من التفاصيل في الصحف التالية:
"آرمان ملى": تفاهم هش في مواجهة اختبار الثقة
في حوار إلى صحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، أكد محلل الشؤون الدولية والدبلوماسي السابق سيد جلال ساداتيان أن التفاهم مع واشنطن يواجه تحديات جدية بسبب تباين تفسير الالتزامات وتصاعد التوترات، معتبراً أن واشنطن أخلت بالتزاماتها بعدم إلزام إسرائيل بوقف التصعيد، وتأخير الإفراج عن الأموال مما يهدد فرص الانتقال إلى اتفاق أكثر استقرارًا.
وأضاف:" يكشف الخلاف حول هرمز غياب الآليات التنفيذية، إذ تتباين الرؤى بين عبور آمن تحدده إيران وقيود على حرية الملاحة تراها واشنطن، مما أدى لتبادل الاتهامات حول التصعيد". وانتقد غياب هيئة رقابية فعالة تسمح بتعدد التأويلات والاحتكاكات. وحذر من أن:" الضغوط الإسرائيلية قد تدفع واشنطن للتراجع عن التزاماتها، وتحويل التفاهم إلى أزمة جديدة لا مدخل لخفض التوتر وبناء الثقة، في ظل استمرار الفجوة بين التزامات الطرفين وقدرتهما على تنفيذها".
"شرق": إتفاق بيروت بلا ضمانات .. وحزب الله الغائب الحاضر قدمت صحيفة "شرق" الإصلاحية، قراءة للاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، والذي يربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بشروط أمنية معقدة أبرزها نزع سلاح حزب الله، مع إبقاء إسرائيل في مناطق تجريبية لحين التحقق من التنفيذ، واستمرار الغارات بعد التوقيع يضعف الثقة بالضمانات الأمريكية ويطرح تساؤلات حول جدية الالتزام.
يضيف التقرير:" يكشف الاتفاق عن خلل واضح في توازن الالتزامات حيث يطالب لبنان ببسط السيادة ونزع السلاح دون إلزام إسرائيلي بانسحاب فوري، بينما يبرز حزب الله كـغائب حاضر رافضًا ربط الانسحاب بسلاح المقاومة، مما يفتقر لتوافق داخلي ويحول الاتفاق لمصدر انقسام سياسي جديد".
وانتهى التقرير إلى أن:" الاتفاق لم يعالج جذور الأزمة بل أعاد صياغتها في إطار جديد يتضمن إرجاء القضايا الجوهرية، مع بقاء الوقائع الميدانية واستمرار الاحتلال الجزئي وترتيبات أمنية هشة، مما يجعل التفاهم أقرب لهدنة مؤقتة منه لتسوية مستقرة وقابلة للحياة".
"جوان": رسالة لاحتواء الانقسام... أم ضبط للتيار المتشدد؟
أكد ممثل المرشد في الحرس الثوري عبد الله حاجي صادقي، عبر صحيفة "جوان" الأصولية المتشددة، تعارض مهاجمة الفريق المفاوض وتخوينهم مع الالتزام بمبدأ ولاية الفقيه، لأنهم تحركوا بتفويض قيادي، نافيًا اتهامات طالت سعيد جليلي بشأن تسريب وثائق أو إدارة حملات ضد المفاوضات، في موقف يعكس تصاعد القلق من اتساع الخلافات بين مؤيدي التفاهم ومعارضيه داخل التيار المحافظ".
والخطاب محاولة:" لاحتواء الانقسامات أكثر من توافق حقيقي، فالتأكيد المتكرر على الوحدة يوحي بأن المؤسسة الرسمية باتت تنظر للسجال الداخلي كتهديد يفوق الضغوط الخارجية، حيث باتت تفرض سقفًا للنقد لمنع تحوله لصراع بين أجنحة النظام".
وخلص إلى أن:" القيادة تسعى للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية مع إبقاء الباب مفتوحًا للتفاوض من موقع القوة، دون التخلي عن خطاب المواجهة التقليدي، في وقت يبدو فيه الضبط الداخلي أولوية قصوى لضمان عدم إفشال المسار التفاوضي من الداخل قبل اختبار نتائجه على طاولة المفاوضات".
"دنياى اقتصاد": خفض التوتر لا يكفي لاستعادة الاستقرار الاقتصادي بلغ التضخم السنوي في إيران مستويات تاريخية، وهو ما يعكس عمق الاضطرابات الاقتصادية، بحسب صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، التي ترى في التفاهم مع الولايات المتحدة، رغم ربط التضخم بالحرب والحصار، فرصة لتهدئة الضغوط إذا ترافق مع إصلاحات حقيقية. فالرهان على التفاهمات الخارجية يبقى محدود الأثر دون إصلاحات مالية ونقدية تعالج جذور التضخم كالتمويل التضخمي لعجز الموازنة وارتفاع الكتلة النقدية. ويحدد التقرير خمسة مسارات رئيسية لكبح التضخم، تشمل:" ضبط عجز الموازنة، والسيطرة على نمو السيولة النقدية، وتحقيق استقرار سوق الصرف، ومواصلة سياسة خفض التوتر الخارجي، وتحرير التجارة لتعزيز الإنتاج".
وخلص التقرير إلى أن:" خفض المخاطر السياسية قد يخفف التضخم لكنه ليس علاجًا كافيًا، فاستعادة الاستقرار تتطلب سياسات داخلية متماسكة تعزز الإنتاج وتفرض انضباطًا ماليًا وتدعم استقلالية السياسة النقدية، لتحول دون عودة الضغوط التضخمية مع أي تغير في البيئة السياسية أو الإقليمية".
رصدت الصحف الإيرانية الصادرة، يوم السبت 27 يونيو ، انقسامات حادة داخل التيار الأصولي حول التفاهم مع واشنطن، وسط خطاب متشدد تجاه الدول الخليجية يهدد بإغلاق هرمز ويعمّق المخاوف الإقليمية، وأزمات اقتصادية خانقة تنذر بانهيار منظومة التأمين الاجتماعي، وتآكل الطبقة الوسطى في إيران.
وكشف مقال لرئيس تحرير صحيفة "كيهان" الأصولية المتشددة، حسين شريعتمداري، عن انقسام حاد داخل التيار المحافظ بين من يرى القيادة مجبرة على تفاهمات لم ترغب بها، ومن يعتبر المفاوضين متطابقين مع إرادتها، ليخلص إلى أن كلا التفسيرين يسيء لمكانة المرشد.
وفي صحيفة "إيران" الرسمية، حاول مستشار المرشد للشؤون الثقافية، غلام علي حداد عادل، احتواء الجدل بشأن تفسير رسالة مجتبى خامنئي، وأكد أن التفاوض لا يتعارض مع القيادة، لكن هذه التصريحات تكشف عن انقسام حاد داخل التيار المحافظ حول إدارة العلاقة مع واشنطن.
واستشهد الكاتب الإيراني، حميد شجاعي، في مقال بصحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، بتصريحات مستشار المرشد للشؤون الثقافية، ليؤكد أن الحملات على الوفد المفاوض تهدف لإضعاف التوافق الداخلي، الذي عزز الموقف الإيراني، وأجبر أميركا على التراجع، محذرًا من أن تصوير الدبلوماسية في مواجهة الميدان يخدم أجندات متشددة.
ووفق صحيفة "سياست روز" الأصولية، فقد عكست خطبة إمام جمعة طهران المؤقت، محمد جواد حاج علي أكبري، توظيف المنابر الدينية لدعم التفاهم مع واشنطن كخطوة مرحلية، بينما طغى خطاب الوحدة على معالجة التحديات الاقتصادية، مما يكشف عن أزمة في إدارة التوافق السياسي على حساب الملفات المعيشية.
وبدوره دعا خطيب جمعة مشهد، أحمد علم الهدى، وفق صحيفة "قدس" الأصولية، للالتفاف حول المرشد، وتوجيه انتقادات ضمنية وصريحة لمنتقدي التفاهمات السياسية وللأصوات التي تطالب بتصعيد الخلافات الداخلية.
وفي المقابل شدد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية سابقًا، رضا صالحي أميري، في مقال بصحيفة "إيران" الرسمية، على ضرورة تحويل النصر في الحرب على أميركا وإسرائيل، إلى قوة دبلوماسية واقتصادية، مؤكدًا أن الدبلوماسية لا تقل تضحية عن الميدان، وهي الطريق لتثبيت مكانة إيران.
وحذّر الكاتب الإيراني، قادر باستاني تبريزي، بصحيفة "جمهورى اسلامي" المعتدلة، من إفشال الاتفاق مع أميركا داخليًا عبر التردد والخلافات، ووضع خمس ضرورات لتثبيته، وهي: إجماع غير مسبوق في صنع القرار، وإعادة الموارد المالية لكبح التضخم، وإنهاء التخبط الاستراتيجي، وحسم الغموض النووي، وإرساء عقلانية بأخلاق دبلوماسية.
وتعليقًا على البيان المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجي الأميركي، أكد مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، أنه "لا مكان للدول الخليجية في إعادة ترتيب المعادلات، وأن بقاءها الاستراتيجي مرهون بسقف تحمل طهران"، على حد قوله.
وتعكس مخرجات البيان، بحسب صحيفة "آرمان ملى" الإصلاحية، تدخلاً في الشؤون الإيرانية، ومحاولة للضغط على طهران في ملف مضيق هرمز، وحذرت الدول الخليجية من الرهان على الدعم الأميركي.
وربط تقرير صحيفة "قدس" الأصولية أمن الخليج بالتقارب الإقليمي لا بالوجود العسكري الأميركي. كما بعث رد الحرس الثوري بإغلاق مضيق هرمز وإخلاء أكثر من 115 سفينة تجارية، برسالة واضحة بأن أمن الممرات المائية ليس قابلاً للمساومة بالبيانات السياسية.
ويكرس هذا النهج، بحسب صحيفة "آكاه" الأصولية، منطق التصعيد أكثر من بناء الثقة؛ فربط أمن الملاحة بالإملاءات السياسية يفاقم المخاوف الدولية، ويمنح خصوم إيران مبررات للمطالبة بترتيبات أمنية أوسع تقلص نفوذها، وهو ما قد يحول المضيق من ورقة قوة إلى مصدر ضغط إضافي على السياسة الإيرانية.
وفي الشأن الإقليمي تداولت الصحف الإيرانية المختلفة رسالة أمين عام حزب الله اللبناني، نعيم قاسم، والتي أثنى خلالها على الموقف الإيراني، وأكد أنه لا سبيل أمام إسرائيل إلا الخروج من لبنان، وأكد: "سنبقى مع إيران، وأي التزام ضد سيادة لبنان لن يمر، ولا يحق لأحد أن يوقّع شيئًا"، بحسب قوله.
واقتصاديًا، استعرض عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، محمد رضا باهنر، عبر صحيفة "سازندكى" الإصلاحية، خسائر إيران في "حرب الـ 39 يومًا" الأخيرة، والتي لم تقتصر على الخسائر المادية، وإنما تسببت في انهيار الطبقة الوسطى، وقال: "حتى الراتب البالغ 50 مليون تومان لا يكفي لتغطية تكاليف معيشة أسرة مكونة من ثلاثة أفراد؛ وذلك لأننا شهدنا تضخمًا بنسبة 1000 في المائة على مدار السنوات الثماني الماضي".
وعبر صحيفة "سياست روز" الأصولية، حذر الكاتب فرهاد خادمي من عجز شهري يُقدر بـ 60 تريليون تومان لمنظمة التأمين الاجتماعي يهدد معيشة الملايين، ناتج عن سنوات من تجاهل الحكومات لديونها المتراكمة وإلقاء أعباء جديدة دون تغطية مالية، مما يخدش الثقة بمؤسسة التأمين ويستدعي سداد الديون.
وفي تشخيصه للوضع الإيراني، أشار الخبير فرهاد نيلي، عبر صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، إلى تآكل الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، إلى جانب تنامي ظاهرة توريث الفقر عبر الأجيال، وشدد على أن التوسع التجاري والانفتاح على العالم هما المخرج الوحيد من الفقر، منتقدًا الاقتصاد المغلق والاعتماد على النفط.
وتواجه إيران، بحسب صحيفة "همشهرى" التابعة لبلدية طهران، أزمة بنزين حادة بسبب انخفاض الإنتاج اليومي وتراجع الخلط البتروكيماوي، مما يستدعي سياسات عاجلة كتعديل التقنين وخفض الحصة الثانية، وتطوير النقل العام، وإلغاء الرحلات غير الضرورية، وإخراج السيارات المتهالكة.
والآن يمكننا قراءة المزيد من التفاصيل في الصحف التالية:
"شرق": "اتفاق التفاهم" مع أميركا تحت ضغط الخلافات.. والبرلمان الغائب
في حوار إلى صحيفة "شرق" الإصلاحية، أكد المحلل السياسي، موسى موحد أن التفاهم الإيراني- الأميركي يواجه اختبارًا صعبًا نتيجة التباينات الأمنية حول إنشاء قناة اتصال عسكرية مع واشنطن، وخلافات حول استخدام الأصول المفرج عنها، مما يعكس استمرار فجوة الثقة بين الطرفين في مرحلة التنفيذ.
وأشار إلى "زيارة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى باكستان، والمحادثات حول القدرات الصاروخية جاءت لتعزيز التعاون الإقليمي، بينما أثار البيان الخليجي-الأمريكي ملفات نووية وصاروخية وحرية الملاحة بمضيق هرمز، في مقابل رد إيراني اعتبره تدخلاً وأعاد التأكيد على أن أمن المنطقة يجب أن يقوم على التعاون الإقليمي".
وخلص إلى أن "مستقبل التفاهم مرهون بقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما، مع تحول مضيق هرمز لمحور تنافس جيوسياسي، وسط محاولات دولية لإعادة رسم ترتيباته الأمنية، مقابل إصرار إيران على دورها المحوري في إدارة هذا الممر الاستراتيجي".
وفي شأن آخر استطلع تقرير لصحيفة "شرق" أيضًا آراء عدد من نواب البرلمان، حول تصاعد الخلافات البرلمانية مع استمرار تعليق الجلسات العلنية رغم تراجع المبررات الأمنية، وسط انتقادات متزايدة من أكثر من مائة نائب هددوا باعتصام احتجاجي، في مشهد يعكس أزمة ثقة بقدرة المجلس على أداء دوره الرقابي في ظل أزمات معيشية خانقة.
وينقل التقرير "تباينًا حادًا بين نواب يدافعون عن رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، وآخرين مثل كامران غضنفري يعتبرون التعطيل لأشهر مخالفًا للقوانين، مع مواقف وسطية تدعو لإعادة الفتح دون تحويل القضية لصراع سياسي، مما يكشف عن انقسام داخل المؤسسة ذاتها حول طريقة إدارتها".
"جوان": إدارة منفردة لمضيق هرمز
شدد الكاتب والمحلل السياسي محمد جواد إخوان، في مقال بصحيفة "جوان" الأصولية المتشددة، على ضرورة أن تتبنى إيران سياسة الإدارة المنفردة لمضيق هرمز، مستندًا إلى موازين القوة العسكرية لا القانون الدولي، رافضًا فكرة الإدارة المشتركة مع عُمان.
وأضاف:" أظهرت تحولات الأشهر الماضية أن مضيق هرمز تحول إلى عامل مؤثر في السياسة الاستراتيجية والاقتصاد الدولي، مما يجعله قضية رئيسية لإيران مع بروز وجهتي نظر: الأولى تدعو لإدارة مشتركة مع عمان وفق القانون الدولي، والثانية ترى أن عمان والدول الخليجية تابعة سياسيًا لأميركا وتفتقر للاستقلالية، مما يجعل أي مشاركة مشتركة غير مجدية".
ويرى "أن إدارة مضيق هرمز حق خاص لإيران فرضته قوة الردع العسكرية لا القانون الدولي، رافضًا أي مشاركة مع عُمان التي تفتقر للاقتدار، ومحذرًا من أطماع أميركية بالاستحواذ على موانئ محافظة مسندم العُمانية، ومؤكدًا أن البروتوكولات المستقبلية ستُكتب بناءً على ما تفرضه طهران على الأرض".
"آرمان ملى": غياب الشفافية يفاقم أزمة الثقة
ترى الصحافية والكاتبة الاقتصادية، صديقة بهزاد بور، في حوار إلى صحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، أن أزمة الخدمات المصرفية تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات المالية على إدارة الأزمات والحفاظ على ثقة المواطن، حيث دفع استمرار التعطل شريحة من المواطنين للعودة إلى استعمال الأموال النقدية.
وانتقدت "محدودية الإفصاح الرسمي عن أسباب الأزمة، معتبرة أن غياب المعلومات الدقيقة فتح المجال للشائعات التي ضاعفت القلق أكثر من الأعطال التقنية نفسها، مؤكدة أن الشفافية في إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن سرعة معالجتها للحفاظ على مصداقية المؤسسات المالية".
واستشهدت بتصريحات عضو البرلمان، حسين علي حاجي دليغاني، الذي دعا إلى تقديم تفسيرات واضحة للرأي العام، وتعزيز أمن البنية التحتية السيبرانية للقطاع المصرفي، مؤكدًا أن "الثقة الشعبية بالنظام المصرفي تعد أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي، وأن صيانتها تتطلب مصارحة المواطنين بالأسباب الحقيقية للأزمة والإجراءات المتخذة لمنع تكرارها".
علمت "إيران إنترناشيونال"، من مصادر معلوماتية خاصة، بوجود مخبأ سري تحت الأرض للمرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، يظهر أن الحرس الثوري شيّد مجمعًا مجهزًا وسريًا في "أزقة مفيد" بطهران لحماية حياته، يحتوي على غرفة مضادة للانفجارات.
ووفقًا للنسخة الكاملة لخريطة هذه المنشأة التي زود بها مصدر داخلي "إيران إنترناشيونال"، وأكدها مصدر أمني، فإن الحرس الثوري قام خلال فترة زمنية استغرقت عشر سنوات ببناء مجمع تحت الأرض يُدعى "حبيب إبراهيمي" بجوار بيت خامنئي. وكان حبيب إبراهيمي هو السائق الخاص السابق لعلى خامنئي، وتوفي قبل بدء هذا المشروع.
ويقع المخبأ المذكور في مواجهة "أزقة مفيد" بين شارع "خوش زبان" ومعهد باستور، حيث تدخل السيارات من أزقة مفيد إلى المجمع وتتجه نحو عمق 30 مترًا تحت الأرض.
ويتصل مخبأ "حبيب إبراهيمي" بنفق يبلغ طوله 27 مترًا بمخارج متعددة؛ يؤدي أحدها شرقًا إلى موقف سيارات "جامي" في شارع "ولي عصر"، بينما يصل الآخر إلى شارع "باستور الغربي". كما تقع ثلاثة مخارج في شارع الحرب، أحدها في مواجهة شارع "29 فروردين"، والآخر في مبنى يُعرف باسم "ولايت 2". وهناك نفق آخر يمتد من عمق 12 مترًا بالمخبأ ليصل إلى موقف سيارات "12 فروردين" عند تقاطع شارع "جمهوري".
وقد حصلت "إيران إنترناشيونال" على صورة للمخرج المؤدي إلى نفق الملجأ على عمق 30 مترًا أثناء فترة البناء. وتظهر صورة أخرى مجمعًا مكونًا من 5 طوابق يضم مكاتب لقادة ومديري "بيت القيادة" وهو قيد الإنشاء، حيث يمتد من عمق 30 مترًا إلى 15 مترًا تحت الأرض.
الغطاء التمويهي والغرف المضادة للصواريخ
وفقًا لمصادر "إيران إنترناشيونال"، تم إنشاء غطاء أمني وتمويهي لمجمع "حبيب إبراهيمي"؛ حيث شُيد فوق سطح الأرض "مركز رياضي"، بينما يضم المجمع تحته (على عمق 15 مترًا) موقف سيارات مكونًا من 3 طوابق وعدة قاعات لتدريب الرماية.
ويحتوي المجمع السري على ملجأين في تراز (مستوى) سالب 30 وسالب 35 مترًا تحت الأرض. وتظهر خرائط المنشأة أنه تم بناء "غرفة مضادة للانفجارات" داخل أحد هذين الملجأين، وكان خامنئي يُنقل إليها في أوقات الخطر الشديد لضمان نجاته من أي استهداف صاروخي مباشر.
التنفيذ والقيادات المشرفة.. حسن وعلي أكبري
بدأ بناء مخبأ "حبيب إبراهيمي" في عام 2009 بموافقة شخصية من علي خامنئي، وتولت تمويل المشروع "مقر خاتم الأنبياء للبناء" التابع للحرس الثوري. وكانت مسؤولية التصميم الهندسي تقع على عاتق "المعاونية الهندسية للحرس الثوري" التي كان يقودها آنذاك العميد علي مسجديان، بينما تولت التنفيذ الفعلي مؤسسة "الشهيد رجائي" الخاصة التابعة لمقر خاتم الأنبياء.
وكان قائد هذه المؤسسة التنفيذية هو العميد حسين أكبري. بينما تولى شقيقه، العميد حسن أكبري، مهمة الإشراف المباشر على تنفيذ المشروع؛ حيث كان حسن أحد أعضاء الفريق الأمني اللصيق لحماية خامنئي، وفي الوقت نفسه كان مسؤولًا عن شؤون النقل والآليات في "فيلق حماية ولي الأمر المسؤول عن أمن المرشد". وكان أكبري يُعد أقرب شخص للمرشد الثاني للنظام الإيراني بحكم طبيعة عمله كمرافق شخصي مباشر، وكان يظهر بجانبه دائمًا في معظم اللقاءات والزيارات الرسمية.
لغز مقتل حسن أكبري
أعلنت وكالة "فارس" للأنباء، التابعة للحرس الثوري الإيراني، أن حسن أكبري قُتل بالخطأ في 29 أبريل (نيسان) 2016 جراء خلل فني في سلاحه أثناء مهمة تدريبية. ومع ذلك، صرّح مصدر أمني لـ "إيران إنترناشيونال" بأن أكبري تم "تصفيته واستبعاده" جراء صراعات وخلافات داخلية في بيت القيادة.
الهجمات الإسرائيلية ومقتل خامنئي
كان مخبأ "حبيب إبراهيمي" السري أحد الأهداف الرئيسية لإسرائيل خلال هجومها في 6 مارس (آذار) على مجمع بيت المرشد، إلا أن الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية لم تظهر تعرض المجمع السري للتدمير حينها.
وكان مسؤولون إيرانيون سابقون قد نفوا في وقت سابق وجود ملاجئ للمرشد؛ حيث صرح وزير الداخلية والمعاون الأسبق لوزارة الاستخبارات، مصطفى بور محمدي، بأن خامنئي لا يملك ملجًا تحت الأرض. كما ادعى وزير السياحة ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الأسبق، عزت الله ضرغامي، أن خامنئي كان يرفض دائمًا فكرة بناء ملجأ سري تحت الأرض لنفسه.
وفي نهاية المطاف، قُتل علي خامنئي صباح 28 فبراير (شباط) 2026 في هجوم إسرائيلي موجه بدقة استهدف مقر إقامته في شارع "باستور" أثناء مشاركته في اجتماع لأعضاء مجلس الدفاع.
ونشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرًا، في الأول من مارس 2026، كشفت فيه أن الاستخبارات الإسرائيلية تمكنت من اختراق كاميرات المراقبة المرورية وأبراج الاتصالات المحيطة بشارع باستور، وهو ما أتاح لها معرفة التوقيت الدقيق لانعقاد الاجتماع بين خامنئي والقادة العسكريين لحظة تنفيذ الغارة الجوية.
في مساء يوم 5 مارس (آذار) 2026 تعرض مبنى ضخم في مجمع "زيباشهر" السكني المخصص للمسافرين في مدينة "شيراز"، جنوب إيران، لضربة صاروخية أدت إلى تدميره بالكامل؛ وهو الموقع الذي كان يختبئ فيه عدد من قوات الحرس الثوري، بما في ذلك القوة الجو-فضائية التابعة له.
وأسفرت الموجة الثانية من هذا الهجوم عن مقتل 9 مدنيين، من بينهم موظفون في مركز طوارئ (115) المجاور لهذا المجمع.
وتشير مراجعة صور الموقع، والبيانات مفتوحة المصدر، وتقارير وسائل الإعلام المحلية، وتقييم مسؤول سابق عن تحديد الأهداف في القوات الجوية الأميركية، وروايات شهود العيان، إلى أن ما حدث في الهجوم على "زيباشهر" لم يكن مجرد خطأ عسكري بسيط في الذخيرة، بل كان استهدافاً مباشراً لمبنى محدد داخل المجمع السكني الطارئ للمسافرين؛ وهو المبنى الذي تشير الأدلة المتاحة إلى أنه كان مخبأً لقوات الحرس الثوري الذين لجأوا إليه خوفاً من قصف المراكز العسكرية.
ومع ذلك، كان هذا الهدف يقع في قلب مجمع ذي استخدامات مدنية وسكنية وترفيّهية وإغاثية؛ حيث يقع مجمع الطوارئ السكني للمسافرين في "زيباشهر" بجوار قاعدة طوارئ (115)، وعلى مقربة من منازل سكنية ومبانٍ خدمية وعامة.
والنتيجة هي قضية تتقاسم فيها المسؤولية جهتان في آنٍ واحد: النظام الإيراني، بسبب إخفاء قوات عسكرية في موقع مدني؛ والجهة المنفذة للهجوم، بسبب ضرب هدف يقع بجوار مركز طوارئ وضمن منطقة كان يمكن تحديد هويتها المدنية مسبقاً.
المباني تنهار.. ليلة 4 مارس
في تمام الساعة 8:20 مساءً تقريباً (بالتوقيت المحلي)، بدّد صوت صاروخ أعقبه انفجار مدوٍّ هدوء منطقة "زيباشهر" في مدينة شيراز. وخرج عدد من سكان شارع "سروناز دوم" من منازلهم مذعورين؛ وبعد لحظات قليلة، دَوى صوت صاروخ آخر ليقع الانفجار الثاني. ونتيجة لذلك، لقي عدة أشخاص من المواطنين الذين خرجوا من منازلهم حتفهم.
وفي اليوم التالي للهجوم، أعلنت محافظة فارس أن الحصيلة بلغت 20 قتيلاً و30 جريحاً. لكن في مراسم التأبين الرسمية التي أقيمت للضحايا في مسجد "الإمام محمد الباقر" في زيباشهر، نُشرت أسماء وصور 16 شخصاً فقط: 7 منهم كانوا من عناصر كادر الحرس الثوري والتعبئة (الباسيج)، و9 مدنيين (فنيّان من الطوارئ، وكادر من المركز الصحي، و4 موظفين ومقاولين من البلدية، وكاسب محلي).
وقد دُمّر مبنى طوارئ (115) في زيباشهر بالكامل، إضافة إلى مبنى مجاور له والمبنى الأكبر الواقع في الجهة الشرقية منهما، والذي يشكّل جزءاً من مجمع الإقامة الطارئ للمسافرين التابع لبلدية شيراز. كما تضررت عدة مبانٍ سكنية تقع مقابل مركز الطوارئ.
وعلاوة على ذلك، دُمّرت سيارة إسعاف تابعة للطوارئ وعدة سيارات أخرى، وتسببت شظايا الانفجار في إلحاق أضرار بهياكل عدد من السيارات المتوقفة في المكان. وتظهر الصور المنشورة في اليوم التالي ركام سيارة إسعاف متفحمة ومغطاة بالرماد بين الأنقاض؛ وهي إشارة واضحة إلى الطبيعة الإغاثية للنقطة التي استُهدفت أو دُمّرت بفعل شعاع الانفجار.
المبنى الكبير كان مخبأً لقوات الحرس الثوري
لم يكن المبنى الكبير المدمر في مجمع مسافري" زيباشهر" مجرد مبنى سياحي خالٍ أو هيكل مجهول؛ إذ تشير الأدلة المتاحة إلى أن هذا المبنى كان ليلة الهجوم مقراً لاستقرار عدد من قوات الحرس الثوري والقوات المرتبطة به.
وذكرت وكالة أنباء "دانشجو" (المحسوبة على التعبئة الطلابية)، والتي نشرت تقريراً مصوراً من الموقع بعد الهجوم، أن الصواريخ أصابت "مباني المنامات والأقسام الإدارية" في المجمع، مما أدى إلى اندلاع حريق هائل و"مقتل وإصابة عدد من القوات العسكرية". ونسب التقرير نفسه إقامة القوات العسكرية في هذا المجمع المدني إلى "دورات تدريبية لحماية الحدود".
إلا أن هذا التبرير لا يتطابق مع شواهد الموقع؛ فالبيانات مفتوحة المصدر، بما في ذلك خرائط "غوغل" والتطبيق الإيراني "نشان"، تُصنف هذا الموقع كمجمع إقامة طارئ يفتقر لأي مرافق تعليمية أو تدريبية. كما تظهر الصور ومقاطع الفيديو التي تم التحقق منها لافتة هذا المجمع عند مدخله الرئيسي.
ولا توجد في المصادر المتاحة أي إشارة إلى أن هذا المجمع كان له أي استخدام عسكري في السنوات الماضية. بل تظهره الأدلة المتوفرة كمجموعة معروفة ذات استخدامات مدنية وسكنية وترفيهية وإغاثية، وليس مركزاً تعليمياً أو عسكرياً.
ومن ناحية أخرى، لو كان الأمر يتعلق حقاً بـ "التدريب على حماية الحدود"، فإن المجمع الضخم لـ "كلية العلوم والفنون المدرعة" التابعة للقوة البرية للحرس الثوري- والمجهز بكل الإمكانات التعليمية والعسكرية- يقع على بُعد أقل من 200 متر فقط؛ وهو مجمع تتمثل مهمته رسمياً في تدريب وإعداد القوات البرية. بناءً على ذلك، تبدو المزاعم بشأن التدريب العسكري في مجمع مسافرين يفتقر للإمكانات ويقع على بُعد 200 متر من ثكنة مجهزة للتدريب، مزاعم لا أساس لها من الصحة.
وفي الأيام الأولى للحرب، وبالتزامن مع الضربات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على المراكز العسكرية والأمنية الإيرانية، توالت تقارير متعددة تفيد بنقل القوات والمركبات والمعدات العسكرية والأمنية إلى مواقع مدنية.
ووفقاً لتلك التقارير، استقرت هذه القوات في مختلف المدن الإيرانية داخل مواقع مدنية وفضاءات عامة مثل المدارس، الجامعات، المساجد، المستشفيات، الحدائق، والمجمعات السكنية الخاصة، في محاولة للحفاظ على أرواح أفرادها.
وتقود سلسلة الأدلة هذه إلى استنتاج واضح: في زيباشهر شيراز أيضاً، نُقلت قوات الحرس الثوري من المجمع العسكري المجاور إلى مجمع الإقامة المدني لحمايتهم من الضربات. وبدلاً من استهداف ثكنة الحرس الثوري التي تم إخلاؤها في الجانب الآخر من الطريق السريع، استهدف الهجوم الجوي مقر استقرار هذه القوات داخل هذا المجمع السكني بالذات.
لماذا لم يُستهدف مجمع الحرس الثوري الرئيسي؟
تؤكد الصور الفضائية والمعلومات المفتوحة وجود جامعة وثكنة ضخمة تابعة للقوة البرية للحرس الثوري في الجانب الآخر من "زيباشهر"؛ كما تربط بيانات "أوبن ستريت ماب" (OpenStreetMap) هذه المنطقة بـ "لشكر 19 فجر" (الفرقة 19 فجر) التابعة للحرس الثوري، ووحدة تابعة للقوة الجو-فضائية للحرس الثوري في شيراز. وهو ادعاء تزداد احتمالية صحته بالنظر إلى مقتل أحد ضباط الفرقة 19 فجر في هذا الهجوم نفسه. ومع ذلك، لا تظهر الصور الملتقطة بعد الهجوم أي علامات تخريب في ذلك المجمع العسكري الرئيسي.
وصرح الرئيس السابق لفريق التحديد الخاص للأهداف في القوات الجوية الأميركية والمسؤول السابق عن تقييم الأضرار المدنية في "البنتاغون"، ويست براينت، لمجلة "نيولاينز" بعد مراجعته للأدلة المصورة، بأنه تم استخدام ما يقارب 1350 كيلوغراماً من القنابل إجمالاً في هذا الهجوم. وأشار إلى أن المبنى الشرقي الأكبر أُصيب بذخيرة تعادل قنبلة تزن 900 كيلوغرام، بينما أُصيب الهيكلان الغربيان (بما في ذلك قاعدة الطوارئ) بذخائر في حدود قنابل تزن 220 كيلوغراماً.
ويرى هذا الخبير أنه باستخدام الذخائر الحديثة الدقيقة، فإن حدوث خطأ في المقذوفات يصل إلى 200 متر ليعبر إلى الجانب الآخر من الطريق السريع هو أمر مستبعد تماماً، لا سيما وأنه لم يكن مقذوفاً واحداً بل عدة إصابات منفصلة. وإذا أصابت ثلاث ذخائر منفصلة ثلاثة هياكل محددة داخل محيط المجمع السكني، فإن فرضية "الخطأ البسيط في الذخيرة" أو "الانحراف العرضي" تصبح ضعيفة جداً.
وهذا يعني أن هدف الهجوم- باحتمالية عالية جداً- كان مجمع زيباشهر السكني للمسافرين نفسه، أو على الأقل مبانٍ معينة داخله؛ حيث كانت تتحصن قوات الحرس الثوري. وظل المجمع الرئيسي للحرس الثوري في الجانب الآخر من الطريق السريع سليماً؛ لأنه لم يكن الهدف من هذه الضربة.
مَن الجهة التي نفذت الهجوم؟
بدأ الهجوم المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) 2026، وخلال فترة الحرب، تبين أن أطرافاً إقليمية دخلت أيضاً في العمليات العسكرية ضد إيران، حيث هاجمت، بالتنسيق مع أميركا وإسرائيل، منشآت نفطية في إيران بالدرجة الأولى، وهي هجمات نشرت عنها وسائل إعلام مثل "وول ستريت جورنال" ولاحقاً "رويترز" تقارير مفصلة.
ولكن حتى هذه اللحظة، لم يعلن أي من أطراف النزاع مسؤوليته عن الهجوم على مجمع "زيباشهر". ورداً على سؤال وجهته "إيران إنترناشيونال" بشأن دور واشنطن في هذا الهجوم، أفاد مسؤول أميركي بأن "القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد حققت في وقت سابق بخصوص المزاعم حول وجود دور أميركي في هذا الهجوم، لكنها لم تجد أي أدلة تؤكد تورط القوات الأميركية فيه».
كما لم تَرِد وزارة الدفاع الإسرائيلية وجيشها، ولا وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، على الأسئلة التي طرحتها "إيران إنترناشيونال" حول هذا الهجوم.
ومع ذلك، يُعد النمط العملياتي للحرب الهجينة الأهم لتحديد هوية المهاجم. ووفقاً لتحليل صادر عن "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، ركزت القوات الجوية والبحرية الأميركية في الأيام الأولى للحرب على استهداف القواعد ومنصات إطلاق الصواريخ في جنوب ووسط إيران، بينما ركزت إسرائيل والطائرات المتمركزة في الأردن على شمال وغرب البلاد.
وبناءً على هذا النمط، تقع شيراز (في جنوب إيران) ضمن نطاق المسؤولية العملياتية للولايات المتحدة. ويتماشى طبيعة الهجوم أيضاً مع هذه الصورة؛ إذ نُفذ القصف باستخدام ذخائر جوية ثقيلة وقنابل موجهة، وهو ما يتوافق تماماً مع أسلوب العمليات الجوية- البحرية الأميركية في جنوب إيران.
ما عدد القتلى العسكريين؟
لم تنشر السلطات الإيرانية سوى أسماء 7 من عناصر الحرس الثوري و"الباسيج"، إلى جانب الضحايا المدنيين التسعة. لكن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة الحجم الإجمالي للخسائر العسكرية الناتجة عن الهجوم.
وكما أُشير سابقاً، أُصيب المبنى الكبير في مجمع المسافرين بقنبلة تزن 900 كيلوغرام، وتظهر مقاطع الفيديو أن هذا المبنى دُمّر وتحول إلى تلة من الرماد. ونظراً لأن المبنيين الآخرين المستهدفين هما مركز الطوارئ والمبنى الإداري للمجمع، يمكن الاستنتاج بأن هذا المبنى الكبير بالذات كان أحد مقار الاستقرار والاستراحات الخاصة بالقوات العسكرية، وهو ما أكدته وكالة أنباء "دانشجو".
ومن المحتمل أن يكون جزء كبير أو جميع قوات الحرس الثوري في الثكنة المجاورة لـ"زيباشهر"- بما في ذلك ضباط كلية القوة البرية للحرس الثوري القادمون من مختلف مناطق البلاد- قد جرى إيواؤهم في مباني مجمع المسافرين، وتحديداً في هذا المبنى الكبير الذي أُبيد بالكامل.
وعلى الرغم من عدم وضوح عدد القوات التي تم حشرها في هذا المبنى، وتكتّم السلطات الإيرانية عن نشر القائمة الكاملة للقتلى العسكريين في هذا الهجوم، فإنه بالنظر إلى ضخامة المبنى والدمار الكلي الذي لحق به، يُتوقع أن يكون عدد القتلى العسكريين أعلى بكثير من العناصر السبعة المحليين الذين جرى تكريم عائلاتهم في مسجد زيباشهر.
كيف دخل مركز الطوارئ في خط النار؟
إن وجود العسكريين في مجمع المسافرين لا يسقط الصفة المدنية عن الموقع بأكمله؛ فالنقطة المستهدفة كانت تقع بجوار قاعدة طوارئ (115)؛ وهو مبنى علاجي طبي نشط في تلك النقطة منذ سنوات وكان محدداً بوضوح في الخرائط والصور العامة. وفي المحيط نفسه، كانت تظهر بوضوح لافتة مجمع الإقامة الطارئ، المباني الخدمية، سيارات الإسعاف، السيارات المدنية، والمباني السكنية.
وبناءً على ذلك، حتى لو اعتُبر أحد مباني المجمع هدفاً عسكرياً مشروعاً بسبب وجود عسكريين داخله، فإن قاعدة طوارئ (115) الواقعة على بُعد 36 متراً منه فقط، والمنازل المحيطة به، تظل متمتعة بالتحصين والحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.
وفي التحليل العسكري، تُحسب منطقة الخطر بناءً على شعاع الانفجار، وموجة الصدمة، والشظايا، ونسبة خطأ الإصابة المتوقعة، وليس فقط بناءً على المسافة الخطية على الخارطة. وعندما يستقر عسكريون داخل مجمع مدني، على بُعد خطوات قليلة من مركز للطوارئ وفي قلب حي سكني، فإنهم يضعون المدنيين والمنشآت المدنية في معرض الخطر المباشر لأي هجوم محتمل.
ومن جهة أخرى، فإن هذا الواقع نفسه يضاعف من حجم مسؤولية الطرف المهاجم؛ فإذا كان الهدف مبنى يقع داخل محيط مدني وبجوار مركز طوارئ، يتوجب على المهاجم إثبات الإجراءات التي اتخذها للحد من الأضرار الجانبية في صفوف المدنيين، مثل: اختيار توقيت الهجوم، زاوية القصف، نوع الذخائر المستخدمة، توجيه تحذير مسبق محتمل، وتقييم شعاع التدمير والشظايا.
مسؤولية النظام الإيراني
يتحمل النظام الإيراني المسؤولية في هذه القضية من جانب رئيسي واحد على الأقل: وهو نقل واستقرار قوات عسكرية في مجمع سكني مدني، بجوار مركز للطوارئ وفي قلب منطقة سكنية. فسلسلة الأدلة نفسها التي تثبت حضور قوات الحرس الثوري في المبنى الكبير، تثبت في الوقت ذاته أن النظام- بنقله قواته من المنشآت العسكرية إلى موقع إقامة وإغاثة مدني- قد نقل خطر الحرب مباشرة إلى ميادين المواطنين المدنيين.
ويُلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بالامتناع، إلى أقصى حد ممكن، عن وضع أهداف عسكرية بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان، وإبعاد المدنيين عن محيط الأهداف العسكرية. وإن إخفاء قوات الحرس الثوري في مجمع للمسافرين، وعلى بُعد خطوات من قاعدة الطوارئ وبيوت المواطنين، يعد انتهاكاً صارخاً لهذا المبدأ.
هذا الإجراء حول المدنيين إلى "دروع بشرية" رغماً عنهم؛ ولا يشترط هنا إثبات أن النظام الإيراني كان يتعمد استخدام المواطنين كدروع بشرية، بل إنه حتى لو كان الهدف مجرد الحفاظ على أرواح القوات العسكرية، فإن النتيجة المباشرة لذلك كانت تعريض حياة المدنيين للخطر الشديد.
وتوضح حادثة "زيباشهر" التبعات الوخيمة لسياسة إيواء القوات العسكرية في الأماكن المدنية: حيث تنتقل الحرب من الثكنات المحصنة إلى "معسكرات" المسافرين، ومراكز الطوارئ، وبيوت الآمنين.
مسؤولية المهاجم
إن مسؤولية النظام الإيراني لا تُسقط مسؤولية الجهة المهاجمة. فحتى لو اعتُبر مقر الإقامة هدفاً عسكرياً بسبب وجود أو استخدام قوات عسكرية فيه، فإن المهاجم يبقى ملزماً بالتمييز بين الهدف العسكري والمدنيين، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحد من الأضرار، والامتناع عن شن هجوم غير متناسب مع الميزة العسكرية المباشرة والمحددة المتوخاة منه.
وفي هذا الهجوم، لم يقتصر الضرر على المبنى الذي كانت تتمركز فيه القوات، بل طال أيضاً مركز الطوارئ ومنازل المدنيين ومركباتهم؛ حيث تعرضت لأضرار أو دُمّرت بالكامل. وهذا يثير تساؤلات حول أسلوب الهجوم ونوع الذخائر المستخدمة وتوقيته من منظور مبادئ التمييز والاحتياط والتناسب.
وكان مركز الطوارئ (115) منشأة طبية، ولا يؤدي وجود قوات عسكرية في مبنى مجاور إلى إسقاط الحماية الخاصة الممنوحة له. ولا تُرفع هذه الحماية إلا إذا استُخدمت المنشأة الطبية، خارج نطاق وظيفتها المدنية، في القيام بأعمال تضر بالعدو، وذلك بعد توجيه إنذار ومنح مهلة معقولة. ولا توجد أي مؤشرات على حدوث مثل هذا الأمر. كما أن وجود قوات عسكرية في موقع مدني لا يحوّل تلقائياً كامل الموقع أو المباني المجاورة أو المنشأة الطبية القريبة إلى أهداف مشروعة.
واستناداً إلى مبدأ التمييز، فإن استهداف عدة نقاط منفصلة داخل منطقة مدنية، بما في ذلك مركز الطوارئ المجاور لمقر الإقامة المؤقت للقوات، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان الهجوم قد اقتصر فعلاً على أهداف عسكرية.
واستناداً إلى مبدأ الاحتياط، فإن استخدام ذخائر ثقيلة تزن 900 و220 كيلوغراماً على بُعد أمتار قليلة من مركز للطوارئ ومنازل سكنية، وفي موقع يمكن تحديده بسهولة من خلال الخرائط العامة والصور مفتوحة المصدر، يضع اختيار وسيلة الهجوم وزاويته ونوع الذخائر المستخدمة موضع تساؤل.
وأما من منظور مبدأ التناسب، فنحن لا نعلم على وجه الدقة عدد عناصر الحرس الثوري و"الباسيج" الذين قُتلوا، ولا طبيعة أدوارهم العملياتية، ولا ما هي الميزة العسكرية المباشرة والمحددة التي توقع المهاجم تحقيقها وقت تنفيذ الهجوم. لكننا نعلم أن ما لا يقل عن تسعة مدنيين لقوا حتفهم. فإذا كانت الميزة العسكرية المتوقعة محدودة، فإن هذه الخسائر المدنية تثير بوضوح مسألة التناسب، وحتى لو كانت هناك ميزة عسكرية أكبر متوقعة، فإن احتمال انتهاك مبادئ التمييز والاحتياط والحماية الخاصة للمنشآت الطبية يظل قائماً.
وأخيراً، إذا كان الهجوم الثاني قد وقع، كما أفاد الشهود، بعد وصول المواطنين وفرق الإنقاذ إلى المكان، فإن مسؤولية المهاجم تصبح أكبر. فاستهداف المسعفين أو تجاهل وجودهم يُعد من أوضح صور انتهاك الحماية المقررة للمدنيين ولأفراد الإنقاذ وللمهام الطبية.
قضية ذات مسؤوليتين
قضية "زيباشهر" ليست قضية بسيطة يمكن اختزالها في رواية أحادية. فالمبنى الكبير المستخدم كدار إقامة كان، وفقاً للمعطيات المتوافرة، مكاناً لاختباء عناصر من الحرس الثوري، ولذلك أصبح هدفاً للهجوم. لكن هذا المبنى كان يقع في قلب منطقة مدنية.
لقد عرّضت إيران حياة المدنيين للخطر عبر نقل قواتها إلى هذا الموقع. وفي المقابل، يتعين على الجهة المهاجمة أن توضح ما هي الاحتياطات التي اتخذتها لتجنب سقوط الضحايا المدنيين وتدمير المركز الطبي، عندما استهدفت هدفاً يقع بجوار مركز للطوارئ وفي وسط منطقة معروفة بطابعها المدني.
ولا تزال هناك أسئلة مهمة بلا إجابة: كم كان العدد الدقيق للعسكريين الذين قُتلوا؟ وهل كان مبنى الإقامة الكبير قد حُدد مسبقاً باعتباره موقعاً لتمركز القوات العسكرية؟ وهل كانت قاعدة الطوارئ وسيارات الإسعاف مدرجة ضمن المعلومات المتوافرة قبل تنفيذ الهجوم؟
لكن ثمة حقيقة واضحة بالفعل: الحرب في "زيباشهر" خرجت من نطاق الثكنات العسكرية ووصلت إلى دار إقامة للمسافرين ومركز للطوارئ ومنازل المدنيين. لقد استُهدف العسكريون الذين كانوا يختبئون بين المدنيين بحثاً عن الحماية، لكن الثمن دفعه أيضاً العاملون في القطاع الطبي وأهالي المنطقة الذين لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا جيراناً لذلك الملاذ الذي اختبأ فيه أولئك العسكريون.
أفادت معلومات، وردت إلى "إيران إنترناشيونال"، بأن آرمان غرجیان، وهو طالب يبلغ من العمر 19 عامًا من أهالي قرية "بابا ميدان" التابعة لمدينة "نور آباد ممسني".
قُتل مساء يوم 8 يناير (كانون الثاني) الماضي إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر برصاص حي في القلب، وذلك خلال الاحتجاجات التي شهدتها هذه القرية.
وكان من المقرر أن يتقدم آرمان لامتحان القبول الجامعي (الكونكور) هذا العام، حيث كان يحلم بأن يصبح طبيبًا مثل شقيقه وشقيقاته. ولأجل إكمال تعليمه، انتقلت عائلته قبل 3 سنوات من قرية "بابا ميدان" إلى مدينة "نور آباد ممسني".
بدأت الاحتجاجات في نور آباد ممسني في 4 يناير الماضي، وكان آرمان موجودًا في التجمعات الاحتجاجية بهذه المدينة منذ أيامها الأولى، حيث كان يقف في الصفوف الأمامية للمتظاهرين في الفترة من 4 إلى 8 يناير.
العودة إلى "بابا ميدان" والموت برصاص حي
وفقًا للروايات الواردة، فإن عائلة آرمان، وبسبب قلقها على أمنه وحياته، نقلته يوم 8 يناير إلى مسقط رأسه في قرية "بابا ميدان"، حيث كان من المفترض أن يشارك في مراسم عزاء. لكن في مساء ذلك اليوم، انطلقت تجمعات احتجاجية في "بابا ميدان" أيضًا، ليكون آرمان مجددًا بين المتظاهرين.
اقتحمت القوات الحكومية قرية بابا ميدان في حدود الساعة 8:30 من مساء يوم 8 يناير الماضي وأطلقت النار باتجاه المتظاهرين. وخلال هذا الإطلاق، أُصيب آرمان برصاص حي عند الساعة 8:45 مساءً تقريبًا في الموقع المعروف بـ "مفترق طرق بابا ميدان".
وذكرت مصادر مطلعة أن الرصاصة اخترقت الجانب الأيسر من جسد آرمان لتصيب قلبه، وبعد أن أحدثت أضرارًا جسيمة في القلب والرئة، خرجت من الجانب الأيمن. لقى آرمان حتفه في اللحظات الأولى، ورغم ذلك نقلته عائلته وأهالي القرية إلى المستشفى. وكان والده هو أول من وصل إليه بعد إصابته ليرى جثمان ابنه مضرجًا بالدماء.
وتشير المعلومات إلى أنه في ليلة 8 يناير الماضي في "بابا ميدان"، أُصيب عدد من المتظاهرين برصاص خرطوش، لكنهم امتنعوا عن الذهاب إلى المستشفى خوفًا من الاعتقال. كما أُصيب 3 أشخاص آخرين برصاص حي؛ أحدهم استُهدف في منطقة الصدر لكن الرصاصة لم تصب قلبه، ونجا من الموت. في حين أُصيب الآخران في منطقتي الفخذ والأرداف، وامتنع هؤلاء الجرحى أيضًا عن مراجعة المراكز الطبية بسبب المخاوف نفسها، وعالجوا أنفسهم ذاتيًا.
وبعد مقتل آرمان، نُقل جثمانه إلى مشرحة بابا ميدان. ومنذ مساء 8 يناير وحتى وقت الدفن، فرض أهالي القرية والشباب والمتظاهرون حراسة مشددة على جثمانه على مدار الساعة لمنع القوات الحكومية من نقله أو إخفائه. وعقب مقتله، فُرضت قيود صارمة على الطرق المؤدية إلى "بابا ميدان"- التي تُعد مفترق طرق استراتيجيًا في المنطقة- لمدة أسبوع تقريبًا، وخضعت تحركات المواطنين لرقابة مشددة.
التشييع والدفن
أُقيمت مراسم تشییع وجنازة آرمان غرجیان في 11 يناير الماضي بحضور حاشد لأهالي "بابا ميدان" و"نور آباد ممسني"، والمدن المجاورة. وبحسب المعلومات، شهدت الجنازة هتافات احتجاجية غاضبة، دون أي جضور علني للقوات الحكومية أو تدخل من الأجهزة الأمنية.
وبعد انتهاء المراسم، اعتقلت السلطات عددًا من أقارب آرمان، من بينهم أبناء عمومته وأبناء خاله، بسبب مشاركتهم في الجنازة. وظل هؤلاء رهن الاحتجاز لمدة تتراوح بين أسبوع و10 أيام قبل أن يُفرج عنهم بكفالة مالية.
"أربعينية" آرمان وغرس شتلة في موقع مقتله
أُقيمت مراسم أربعينية آرمان، في 12 فبراير (شباط) الماضي، وسط حضور شعبي واسع. وشهدت هذه المناسبة أيضًا ترديد هتافات احتجاجية، ومرت دون تدخل مباشر من قوات الأمن.
وفي موقع مقتل آرمان عند مفترق طرق "بابا ميدان"، قام المواطنون بغرس شتلة شجرة صنوبر؛ في خطوة رمزية لتخليد ذكراه وذكرى بقية قتلى احتجاجات "ممسني". ووفقًا للمعلومات الواردة، يُعد آرمان أول شخص يُقتل في احتجاجات 8 يناير الماضي بمنطقة "ممسني".
لا تزال الانقسامات الحادة حول المفاوضات مع الولايات المتحدة تتصدر اهتمامات الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الثلاثاء بالتوازي مع تحذيرات من ربط التحسن الاقتصادي بتطورات سياسية خارجية، وسط مخاوف من تداعيات الخلافات الداخلية على سلامة التماسك الوطني في البلاد.
تصدرت أنباء مراسم تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي، الذي قضى في هجوم أمريكي استهدف مقر إقامته بتاريخ 28 فبراير الماضي، عناوين الصحف الإيرانية بمختلف توجهاتها السياسية والحزبية، ومن المقرر أن تنطلق الفعاليات من طهران يوم السبت 4 يوليو وتستمر حتى الثلاثاء، على أن تشهد مدينتا النجف وكربلاء مراسم مماثلة بالتوازي مع إحياء ذكرى عاشوراء.
ووجه حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان الأصولية المتشددة، انتقادات حادة للفريق المفاوض، مطالبًا بتوضيح حقيقة ما وصفه بالتنازلات غير المعلنة التي تحدث عنها مسؤولون أمريكيون، وحذر من أن صمت طهران حول إعادة المفتشين وحرية الملاحة قد يخدم أهدافًا استخباراتية تستهدف المنشآت النووية.
وكشفت صحيفة "شرق" الإصلاحية، عن انتقال مفاوضات جنيف لمرحلة فنية تعكس انعدام ثقة عميق، مع فجوة بتفسير معنى رفع القيود، ودور قطري باكستاني تجاوز التنسيق لضمان التنفيذ خلال 60 يومًا، مع اتساع رقعة الملفات من لبنان وحتى مضيق هرمز.
فيما أكدت صحيفة "جمهوري إسلامي" المعتدلة، أن تفاهم جنيف يبقى مشروطًا ومؤقتًا دون ضمانات، مما يجعله عرضة للتراجع بأي تغير سياسي أو إقليمي، خاصة مع إدخال ملفات لبنان وهرمز التي تحوله لشبكة متداخلة تزيد هشاشته وتؤخر مكاسبه الاقتصادية.
وترى صحيفة "قدس" الأصولية المتشددة، أن الـ(60) يومًا، محفوفة بالاشتراطات، حيث اشترطت واشنطن تأمين الملاحة في هرمز وعودة مفتشي الوكالة الذرية، لقاء منح طهران إعفاء نفطيًا مؤقتًا، مما يثير تساؤلات حول المكاسب الإيرانية الفعلية مقابل التزاماتها المحتملة.
ووصفت صحيفة "سياست روز" الأصولية، المرحلة الفنية بالاختبار الحقيقي لتجاوز أزمة الثقة المتراكم، حيث يرى المراقبون في طهران أن النجاح لن يكون بتفاهم جديد بل بتنفيذ فعلي للالتزامات الأمريكية، خاصة في ظل تصريحات أمريكية ترسم صورة مغايرة لما يجري بالتفاوض.
وتحذر صحيفة "آرمان ملى" الإصلاحية، من إطالة أمد التفاوض بسبب الطابع الفني للمفاوضات ومجموعات العمل المتعددة، فضلًا عن أن آليات وقف الحرب توحي بهياكل أمنية جديدة تزيد التشابك، بينما يعكس تضارب التصريحات بعودة المفتشين غياب اتفاق واضح.
وأكدت صحيفة "إيران" الرسمية، أن التعليق المؤقت للعقوبات النفطية يبقى محدود الأثر دون مسار دائم، وأن مهلة الـ(60) يومًا تمثل اختبارًا مزدوجًا لالتزام الأطراف وقدرة الاقتصاد الإيراني على تحويل الانفراج لمكاسب مستدامة. وربطت صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، نجاح هذا المسار باستعادة الإنتاج وجذب استثمارات، كما أن احتمال تغير السياسات الأمريكية يجعله رهن بسرعة التنفيذ واستقرار التفاهمات. كما رأت صحيفة "خراسان" الأصولية المقربة من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن الإفراج عن الأموال يظل محدود الأثر دون تدفقات مستقرة غير قابلة للتجميد مجددًا.
فيما كشفت صحيفة "آكاه" الأصولية، عن أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% يظل ورقة ضغط أمريكية مركزية دون ضمانات لرفع العقوبات، بينما يزيد إدخال ملفات لبنان من تشابك المشهد ويعرض الاتفاق لتطورات ميدانية خارج التفاوض.
وفي صحيفة "جوان" المقربة من التيار الأصولي، أكد مساعد الشؤون السياسية في الحرس الثوري الإيراني اللواء يدالله جواني، أن رفض التفاوض مع الولايات المتحدة من حيث المبدأ غير دقيق، معتبرًا أمن الممرات ومحور المقاومة أدوات ردع لا أوراق تفاوضية، وحذر من تضخيم الخلافات داخليًا.
بدوره أكد وزير الثقافة السابق عطاء الله مهاجراني، في مقال بصحيفة "إيران" الرسمية، أن الحرب لم تفشل فقط في إسقاط النظام أو تفكيك محور المقاومة، بل عززت التماسك الإيراني وأدوات الردع.
اقتصاديًا، أثارت صحيفة "سياست روز" الأصولية، الجدل حول ربط التحسن الاقتصادي بالمفاوضات، حيث تعيد تصريحات البنك المركزي عن تراجع التضخم، إنتاج أسواق أسيرة للتطورات السياسية، بينما تبقى وعود الانفراج معلقة بإجراءات غير نافذة ترفع توقعات الشارع.
فيما رأى الخبير الاقتصادي حسين تبريزي، عبر صحيفة "عصر رسانه" الإصلاحية، أن تخفيف التوترات الخارجية لن يكون فعالًا في علاج الأزمة الاقتصادية دون إصلاح جذري في إدارة الميزانية، وحذر من تحول سياسات الدعم غير الممولة إلى عبء تضخمي يزيد معاناة الشرائح المستفيدة.
وتنقل صحيفة "خراسان" الأصولية، عن محللين قولهم: التحسن في سوق الصرف هش ومرتبط بعوامل سياسية خارجية لا بإصلاح بنيوي، مما يجعله إعادة تموضع قسرية في سوق مضطرب مستقبله مفتوح على التقلبات.
والآن يمكننا قراءة المزيد من التفاصيل في الصحف التالية:
"دنياى اقتصاد": تفاهم مؤقت في ظل توترات متعددة
في حوار إلى صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، أكد الباحث في العلاقات الدولية رحمن قهرمانپور، أن التفاهم الإيراني- الأمريكي لا يتعدى كونه مؤقتًا لإدارة الأزمة، نتج عن ضغوط داخلية أمريكية ومخاوف اقتصادية ووساطة إقليمية، لكن هشاشته تتعمق بإدخال ملفات جديدة مما يقلص فرص الوصول إلى اتفاق سريع.
وشدد على أن:" غياب آلية واضحة للتحقق من الالتزامات، والخلاف حول جهة التقييم يمثلان أكبر التحديات التنفيذية، بينما يبقى مستقبل الاتفاق مرتبطًا بقدرة إيران على تحويل سياساتها الخارجية نحو مدار التنمية بعيدًا عن الاعتبارات الأمنية التي تحد من الانفتاح الاقتصادي مع دول الخليج".
ورجح:" استمرار التمديد المؤقت للتفاهم بانتظار تطورات السياسة الداخلية الأمريكية والانتخابات الإسرائيلية، وهي عوامل ستحسم ما إذا كان المسار سيتجه نحو اتفاق أوسع أم عودة إلى التوتر".
"خراسان": مخاطر تبسيط الملف النووي بين ضغط التفاوض وإعادة إنتاج أخطاء الماضي
وعبر صحيفة "خراسان" الأصولية، حذر خبير الطاقة محمد مهدی هاشمي، من العودة إلى المقترحات الإيرانية والمساعي الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق دائم عقب الانسحاب الأمريكي من اتفاق 2015؛ لاسيما بعدما فرضت التطورات الأمنية واقعًا جديدًا.
وأكد:" العودة لصيغ سابقة قد تفقد إيران عناصر الردع التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، ويجب فهم طرح خيارات الانسحاب من الالتزامات الدولية في سياق الضغط التفاوضي، لكنه يعكس حجم التحول الاستراتيجي، فلا حل في العودة للوراء بل في مقاربة جديدة توازن بين توازنات القوة والالتزامات الدولية".
وخلص إلى أن:" الإشكالية الحقيقي ليست العودة لأجندة قديمة، بل القدرة على بناء إطار تفاوضي جديد يمنع تكرار أخطاء الماضي دون الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب".
"آرمان ملى": البرلمان بين الأمن والصراع السياسي
حاورت صحيفة "آرمان ملى" الإصلاحية، المحلل السياسي لشؤون الشرق الأوسط الدكتور علي الحسيني، بخصوص الجدل البرلماني على خلفية إعادة فتح الجلسات العلنية بعد تعليقها لأسباب أمنية، حيث أكد توظيف اغلاق البرلمان سياسيًا للضغط على الحكومة وإعادة تموضع التيارات داخل المشهد السياسي.
وأضاف:" يتمسك نواب متشددون كحميد رسائي بفتح الجلسات لاستعادة الدور الرقابي. والإصرار على ذلك في هذا التوقيت ينبع من رغبة بعض القوى في منصة تأثير أقوى بملفات السياسة الخارجية والمفاوضات، مما يجعل الجدل تعبيرًا عن تنافس سياسي بقدر ما هو نقاش مؤسسي".
وتابع:" لا تتعلق الأزمة بشكل إدارة الجلسات، بل بصراع أعمق حول حدود الدور البرلماني في مرحلة سياسية وأمنية دقيقة".
"جوان": التوازن بين الردع والدبلوماسية كمسار لحماية المصالح الوطنية
يرى علي حسن حيدري الكاتب بصحيفة "جوان" الأصولية، أن تحقيق المصالح الوطنية يقوم على توازن بين الردع والدبلوماسية، حيث التفاوض امتداد للقوة وليس بديلًا عنها، والاتفاقات لا تصمد إلا مدعومة بميزان قوة يفرض على الطرف الآخر حساب تكلفة أي خرق.
وحذر:" من الفصل بين الميدان والدبلوماسية، فالقوة بلا دبلوماسية تفوت الفرص، والدبلوماسية بلا قوة تفقد فعاليتها، ويوسع مفهوم الردع ليشمل الاقتصاد والانسجام الداخلي والتقدم العلمي والإعلامي كعناصر تحدد موقع الدولة التفاوضي".
وتابع:" أحد أخطر الأخطاء هو الاعتقاد بأن الاتفاقات تنتج القوة، فالاتفاق المستدام هو نتيجة للقوة، وتحمي المصالح الوطنية ببناء ردع شامل ثم توظيف الدبلوماسية لتعظيم المكاسب، في توازن يمنع الضعف أو الإفراط في التعويل على التفاوض وحده".