رصاصة في القلب تنهي حلم "طبيب المستقبل".. قصة أول قتيل باحتجاجات "نور آباد ممسني" في إيران

أفادت معلومات، وردت إلى "إيران إنترناشيونال"، بأن آرمان غرجیان، وهو طالب يبلغ من العمر 19 عامًا من أهالي قرية "بابا ميدان" التابعة لمدينة "نور آباد ممسني".
إيران إنترناشيونال

أفادت معلومات، وردت إلى "إيران إنترناشيونال"، بأن آرمان غرجیان، وهو طالب يبلغ من العمر 19 عامًا من أهالي قرية "بابا ميدان" التابعة لمدينة "نور آباد ممسني".
قُتل مساء يوم 8 يناير (كانون الثاني) الماضي إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر برصاص حي في القلب، وذلك خلال الاحتجاجات التي شهدتها هذه القرية.
وكان من المقرر أن يتقدم آرمان لامتحان القبول الجامعي (الكونكور) هذا العام، حيث كان يحلم بأن يصبح طبيبًا مثل شقيقه وشقيقاته. ولأجل إكمال تعليمه، انتقلت عائلته قبل 3 سنوات من قرية "بابا ميدان" إلى مدينة "نور آباد ممسني".
بدأت الاحتجاجات في نور آباد ممسني في 4 يناير الماضي، وكان آرمان موجودًا في التجمعات الاحتجاجية بهذه المدينة منذ أيامها الأولى، حيث كان يقف في الصفوف الأمامية للمتظاهرين في الفترة من 4 إلى 8 يناير.
العودة إلى "بابا ميدان" والموت برصاص حي
وفقًا للروايات الواردة، فإن عائلة آرمان، وبسبب قلقها على أمنه وحياته، نقلته يوم 8 يناير إلى مسقط رأسه في قرية "بابا ميدان"، حيث كان من المفترض أن يشارك في مراسم عزاء. لكن في مساء ذلك اليوم، انطلقت تجمعات احتجاجية في "بابا ميدان" أيضًا، ليكون آرمان مجددًا بين المتظاهرين.
اقتحمت القوات الحكومية قرية بابا ميدان في حدود الساعة 8:30 من مساء يوم 8 يناير الماضي وأطلقت النار باتجاه المتظاهرين. وخلال هذا الإطلاق، أُصيب آرمان برصاص حي عند الساعة 8:45 مساءً تقريبًا في الموقع المعروف بـ "مفترق طرق بابا ميدان".
وذكرت مصادر مطلعة أن الرصاصة اخترقت الجانب الأيسر من جسد آرمان لتصيب قلبه، وبعد أن أحدثت أضرارًا جسيمة في القلب والرئة، خرجت من الجانب الأيمن. لقى آرمان حتفه في اللحظات الأولى، ورغم ذلك نقلته عائلته وأهالي القرية إلى المستشفى. وكان والده هو أول من وصل إليه بعد إصابته ليرى جثمان ابنه مضرجًا بالدماء.
وتشير المعلومات إلى أنه في ليلة 8 يناير الماضي في "بابا ميدان"، أُصيب عدد من المتظاهرين برصاص خرطوش، لكنهم امتنعوا عن الذهاب إلى المستشفى خوفًا من الاعتقال. كما أُصيب 3 أشخاص آخرين برصاص حي؛ أحدهم استُهدف في منطقة الصدر لكن الرصاصة لم تصب قلبه، ونجا من الموت. في حين أُصيب الآخران في منطقتي الفخذ والأرداف، وامتنع هؤلاء الجرحى أيضًا عن مراجعة المراكز الطبية بسبب المخاوف نفسها، وعالجوا أنفسهم ذاتيًا.
وبعد مقتل آرمان، نُقل جثمانه إلى مشرحة بابا ميدان. ومنذ مساء 8 يناير وحتى وقت الدفن، فرض أهالي القرية والشباب والمتظاهرون حراسة مشددة على جثمانه على مدار الساعة لمنع القوات الحكومية من نقله أو إخفائه. وعقب مقتله، فُرضت قيود صارمة على الطرق المؤدية إلى "بابا ميدان"- التي تُعد مفترق طرق استراتيجيًا في المنطقة- لمدة أسبوع تقريبًا، وخضعت تحركات المواطنين لرقابة مشددة.
التشييع والدفن
أُقيمت مراسم تشییع وجنازة آرمان غرجیان في 11 يناير الماضي بحضور حاشد لأهالي "بابا ميدان" و"نور آباد ممسني"، والمدن المجاورة. وبحسب المعلومات، شهدت الجنازة هتافات احتجاجية غاضبة، دون أي جضور علني للقوات الحكومية أو تدخل من الأجهزة الأمنية.
وبعد انتهاء المراسم، اعتقلت السلطات عددًا من أقارب آرمان، من بينهم أبناء عمومته وأبناء خاله، بسبب مشاركتهم في الجنازة. وظل هؤلاء رهن الاحتجاز لمدة تتراوح بين أسبوع و10 أيام قبل أن يُفرج عنهم بكفالة مالية.
"أربعينية" آرمان وغرس شتلة في موقع مقتله
أُقيمت مراسم أربعينية آرمان، في 12 فبراير (شباط) الماضي، وسط حضور شعبي واسع. وشهدت هذه المناسبة أيضًا ترديد هتافات احتجاجية، ومرت دون تدخل مباشر من قوات الأمن.
وفي موقع مقتل آرمان عند مفترق طرق "بابا ميدان"، قام المواطنون بغرس شتلة شجرة صنوبر؛ في خطوة رمزية لتخليد ذكراه وذكرى بقية قتلى احتجاجات "ممسني". ووفقًا للمعلومات الواردة، يُعد آرمان أول شخص يُقتل في احتجاجات 8 يناير الماضي بمنطقة "ممسني".

أجمعت الصحف الإيرانية، الصادرة يوم السبت 20 يونيو (حزيران)، على أن رسالة المرشد مجتبى خامنئي ترهن مستقبل المفاوضات مع واشنطن بالتطورات الميدانية، والتصعيد الإسرائيلي بلبنان. كما جددت التحذير من الانقسامات الداخلية، وضرورة تحويل اتفاق التفاهم إلى مكاسب سياسية واقتصادية.
وعددت صحيفة "خراسان" الأصولية، المقربة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، دلالات رسالة المرشد مجتبى خامنئي، وأبرزها أن التفاوض لا يعني منح الثقة للولايات المتحدة، وتعكس حالة من الحذر الاستراتيجي تجاه السلوك الأميركي في ظل تاريخ طويل من الخلافات وعدم الالتزام بالتعهدات.
ووصفت صحيفة "همشهري"، التابعة لبلدية طهران، الاتفاق بالخطوة المشروطة غير النهائية، وأعادت تعريف الاتفاق كاختبار عملي لسلوك واشنطن على الأرض. ولفتت إلى ربط الخطاب بين الملف التفاوضي والسياق الإقليمي، مما يضفي على الاتفاق طابعًا هشًا أقرب إلى الهدنة المشروطة منه إلى تسوية مستقرة.
وقدمت صحيفة "سياست روز" الأصولية قراءة مزدوجة في مقالين منفصلين، أكد أولهما أن موافقة المرشد مشروطة بالنتائج والالتزامات، لا باعتبارها تبنيًا كاملاً للتفاهم مع الولايات المتحدة. فيما شدد رئيس تحرير الصحيفة، محمد صفري، في المقال الثاني على مسألة الوحدة الوطنية، وحذر من مخاطر الانقسام على حساب طرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة "اتفاق التفاهم" على الصمود أمام التعقيدات الإقليمية.
واستطلعت صحيفة "إيران" الرسمية آراء عدد من الخبراء والسياسيين؛ حيث يرى محمد عطريان فر أن التفاهم يمثّل فرصة لتحويل المكاسب السياسية إلى نتائج اقتصادية، لكنه يبقى مرهونًا برفع العقوبات فعليًا. ودعا محمد رضا باهنر للالتفاف حول فريق التفاوض مع التأكيد على استمرار انعدام الثقة تجاه الولايات المتحدة. وحذر سعيد نور محمدي من تحول التفاهم إلى مادة للاستقطاب السياسي.
وفي مقال بصحيفة "جوان"، المقربة من التيار الأصولي، نوه غلام رضا صادقيان، إلى أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان يمثل مؤشرًا مبكرًا على هشاشة التفاهم، وتساءل حول مدى قدرة الأطراف على احتواء الخروقات والحيلولة دون نسف المسار التفاوضي بالكامل، ودعا للحفاظ على عناصر القوة وعدم تقديم تنازلات مجانية.
وكشفت صحيفة "ابتكار" الإصلاحية عن تحفظات سابقة على " اتفاق التفاهم"، وأن رسالة المرشد تضع عبئًا سياسيًا كبيرًا على الحكومة وفريق التفاوض، إذ تجعلهم في موقع المسؤولية المباشرة عن نتائج هذا المسار، ولا تمنح شيكًا على بياض للمفاوضات، بل ترسم حدودًا واضحة لها.
وشككت صحيفة "شرق" الإصلاحية في قابلية تنفيذ "مذكرة التفاهم"، مستشهدة برسالة المرشد التي تربط الغطاء السياسي بضرورة التحقق الصارم من التزامات واشنطن، ما يحول الاتفاق إلى عملية رقابة مستمرة لا إلى تسوية نهائية. وكما أشارت إلى أن الطابع غير التقليدي لمراسم التوقيع يعكس غموض النية الأميركية.
وتشير صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية إلى أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة على جنوب لبنان وضعت العملية التفاوضية أمام مأزق حقيقي، وعكست فشل واشنطن في إلزام إسرائيل بمقتضيات "اتفاق التفاهم"، ما أدى إلى تأجيل اللقاءات الفنية في سويسرا.
ووفق صحيفة "قدس" الأصولية، فقد تسبب التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان بتعطيل مسار التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، حيث تم تأجيل اجتماع جنيف الذي كان مقررًا يوم الجمعة لاستكمال ترتيبات التنفيذ إلى موعد غير محدد، وسط تبادل الاتهامات حول مسؤولية تعطيل المسار الدبلوماسي.
ووصف تقرير صحيفة "آكاه" الأصولية إسرائيل بالمعطل الميداني لمسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة من خلال استمرار العمليات العسكرية على لبنان، ما يجعل مستقبل التفاهم رهنًا بتطورات الميدان أكثر من طاولات التفاوض.
وفي المقابل غلب على تغطية صحيفة "آرمان ملي" الإصلاحية، التفاؤل النسبي؛ حيث ترى في التفاهم انتصارًا دبلوماسيًا لإيران بسبب المقاومة والانسجام بين الميدان والدبلوماسية، مع الإشارة إلى مكاسب مثل رفع التجميد عن الأصول وتخفيف العقوبات.
وفي الشأن الاقتصادي، رصدت صحيفة "سازندكي" الإصلاحية، حالة الجدل التي اقترنت بتصديق البرلمان على قانون ضريبة الأرباح الرأسمالية لنقل ملكية العقارات والسيارات والذهب والعملات للأفراد، بين من يراه ضروريًا لتحقيق العدالة الاجتماعية، وآخر يعتقد أن الحل الحقيقي في كبح التضخم أولًا لا فرض ضرائب جديدة.
والآن يمكننا قراءة المزيد من التفاصيل في الصحف التالية:
"خراسان": رسالة المرشد بشأن انتظار تحقق شروط "التفاهم" تعكس موقفًا حذرًا
يرى الكاتب والمحلل الإيراني، كوروش شجاعي، في مقال بصحيفة "خراسان" الأصولية، المقربة من رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن انتقال واشنطن للمشار التفاوضي، يعكس اعترافًا ضمنيًا بحدود القوة العسكرية وعجزها عن فرض شروطها على طهران، مشيرًا إلى مكاسب كعدم التطرق للبرنامج الصاروخي وتخفيف الضغوط ووقف المواجهات الإقليمية.
وطرح تساؤلات نقدية بشأن "آليات التنفيذ والضمانات الفعلية للاتفاق"، مؤكدًا أن "التجارب السابقة تجعل التعويل على الوعود وحدها صعبًا دون إجراءات ملموسة على الأرض، وأن المعيار الحقيقي للنجاح يكمن في التزام واشنطن ببنود الاتفاق، خاصة وقف التوترات الإقليمية واحترام المصالح الإيرانية".
وأشار إلى أن "رسالة المرشد بشأن انتظار تحقق الشروط تعكس موقفًا حذرًا يوازن بين منح فرصة للمسار الدبلوماسي والحفاظ على عناصر القوة والردع، مما يجعل الأشهر المقبلة اختبارًا حقيقيًا بشأن إذا كانت مكاسب الميدان ستُترجم إلى إنجازات سياسية أم ستبقى مجرد وعود على الورق".
"عصر رسانه": "سلام هش" على "أرض رخوة"
شدد الخبير الاقتصادي، كامران ندري، في حوار إلى صحيفة "عصر رسانه" الإصلاحية، على أن وقف المواجهات العسكرية لا يعني انتهاء الأزمة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن التضخم المرتفع وتراجع مؤشر مديري المشتريات يكشفان استمرار الضغوط على الإنتاج والاستثمار رغم انحسار التوترات.
وانتقد "الرهان المفرط على الآثار السريعة للتفاهمات الخارجية"، موضحًا أن "الإفراج عن الأصول أو إعادة فتح الممرات التجارية قد يخفف الضغوط مؤقتًا لكنه لن يعالج جذور الأزمة المتمثلة باستمرار العقوبات والاحتكارات وضعف المؤسسات النقدية".
وخلص إلى أن "الاقتصاد الإيراني أمام فرصة نادرة للإصلاح، لكن ضياعها سيعني العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب التي كانت تعاني أزمات مزمنة تحتاج لمعالجات جذرية لا مسكنات مؤقتة".
"مردم سالاري": نقد داخلي للاتفاق مع واشنطن المراجعة
قدم تقرير بصحيفة "مردم سالاري" الإصلاحية قراءة مشروطة للتفاهم الإيراني- الأميركي، تجمع بين تأييد ضمني للاتفاق والتحذير من تفجيره بفعل الانقسامات الداخلية، وطرح التقرير ملفات سياسية حساسة كرفع القيود عن شخصيات سياسية وعودة المنفيين وإعادة فتح النقاش حول الجمهورية الثالثة، مما يوسع النقاش من الاتفاق الخارجي إلى إعادة تشكيل البنية السياسية الداخلية.
وركز الطرح على ثلاثة محاور رئيسية في محاولة لتصوير الاتفاق كفرصة اقتصادية وسياسية، هي: "المكاسب الاقتصادية والسيادية مثل ملف مضيق هرمز، وملف الأصول المجمدة، إضافة إلى الملف النووي الذي يتم تأكيده ضمن إطار اللا تسليح، مع الدعوة إلى إدارة أكثر براغماتية لملف تخصيب اليورانيوم".
وحذر التقرير من: "قراءة التفاهم مع الخارج بمعزل عن الداخل، وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنفيذ البنود الدولية، بل في إدارة التوازنات السياسية الداخلية التي قد تحدد مصير أي اتفاق قبل اختباره خارجيًا".
"دنياي اقتصاد": فشل الحسابات الأمريكية- الإسرائيلية في إضعاف إيران
يؤكد الخبير الاقتصادي الإيراني، مسعود نیلي، في حواره إلى مجلة "تجارت فردا" ونقلته صحيفة "دنياي اقتصاد" الأصولية، أن "تفاهم إسلام آباد" جاء نتيجة تحولات ميدانية فرضت التهدئة، مشيرًا إلى فشل الحسابات الأمريكية- الإسرائيلية في إضعاف إيران أو إحداث احتجاجات واسعة، مع ارتفاع كلفة المواجهة بسبب إغلاق مضيق هرمز والتداعيات الإقليمية.
وحذر من "عاملين يهددان الاتفاق هما إسرائيل كمعرقلة محتملة، والتيارات الداخلية التي ترتبط مصالحها بالصراع، مشددًا على أن المشكلة الكبرى تكمن في غياب قواعد مؤسسية مستقرة للسياسة الداخلية، مما تسبب بأزمات مزمنة كالتضخم وأزمات الطاقة والصرف.
ونوه إلى أن "الآثار الاقتصادية الإيجابية لن تظهر فوريًا، فالاقتصاد كسفينة كبيرة تحتاج وقتًا، والمستفيدون هم المواطنون والقطاع الاقتصادي بينما تتضرر أطراف مرتبطة بالتوتر، ونجاح التفاهم مرتبط بالاستقرار الداخلي والمؤسسات الداعمة للتنمية".
"كيهان": فتح مضيق هرمز يعني الرضوخ لنزع السلاح
ردت صحيفة "كيهان"، المقربة من المرشد الإيراني، على تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، بشأن بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، وكتبت: "لا تنفوا الأمر، بل أغلقوا مضيق هرمز. فلم يعد هناك أي مبرر أو دليل يدفع إيران لتنفيذ التزاماتها وتعهداتها بعد انتهاك مذكرة التفاهم من جانب إسرائيل".
وأشارت الصحيفة إلى تصريحات وزير الخارجية، عباس عراقجي، وأضافت: "انسحاب إسرائيل من لبنان كان من بين بنود ومواد مذكرة التفاهم، إلا أن هذا الأمر لم يحدث فحسب، بل إن إسرائيل واصلت هجماتها وأعلنت أنها لن توقفها".
واستطردت أن استمرار إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بعد ما وصفته بـ "الانتهاك الصارخ لمذكرة التفاهم"، من شأنه أن يُضعف أوراق الضغط وعناصر القوة الإيرانية، ويؤدي إلى زيادة جرأة الطرف المقابل وتجاسره. وطالبت المسؤولين في إيران بالوفاء بوعودهم وتطبيق ما أعلنوا عنه فعليًا.
نشرت الولايات المتحدة، يوم الأربعاء 17 يونيو (حزيران)، النص الرسمي لمذكرة التفاهم التي وقّعتها رقميًا مع إيران، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي. وكانت واشنطن قد قالت سابقًا إنها لن تنشر النص قبل يوم الجمعة، الموعد الرسمي، استجابة لطلب قطر وباكستان، وسيطي المفاوضات، وإصرار طهران.
ومع ذلك، فإن تسريب ونشر أجزاء من هذا النص في وسائل الإعلام أحدث صدى واسعًا للغاية، وتسبب في توجيه انتقادات غير مسبوقة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
وقد تلا مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، بعد ظهر الأربعاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، نص هذه الوثيقة المكونة من 14 بندًا؛ وهي الوثيقة التي تحدد الأحكام المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف بعض القيود المالية المفروضة على إيران، بالإضافة إلى التوقعات المتعلقة بالتعامل مع برنامج إيران النووي في المفاوضات الفنية المقبلة.
ونُشرت هذه الوثيقة تحت عنوان «مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وتم وضعها تحت تصرف وسائل الإعلام بعد الاحتجاجات الواسعة التي أثارها عدم نشرها علنًا في البداية.
وصرح هذا المسؤول الأميركي الرفيع، الذي لم يُكشف عن اسمه، قائلاً: «هذا الاتفاق هو في الأساس اتفاق يسمح لنا بإعادة فتح مضيق هرمز فورًا، ويلزم الإيرانيين بتدمير الغبار النووي، ومِن ثمّ يمنحنا أداة ضغط (رافعة)؛ فإذا زاد الإيرانيون من سلوكهم الجيد، فسنزيد نحن أيضًا من حجم رفع العقوبات والمساعدات الاقتصادية؛ وهي إجراءات يمكن أن تحول إيران إلى دولة أكثر ازدهارًا».
ومن المقرر أن يتم التوقيع رسميًا على مذكرة التفاهم هذه يوم الجمعة 19 يونيو الجاري؛ وهو إجراء سيفتح نافذة زمنية مدتها 60 يوميًا للتفاوض بشأن الشروط النهائية للاتفاق.
ويُظهر النص الذي قدمته الإدارة الأميركية اختلافات طفيفة عما نشرته وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة. وفي الوقت نفسه، نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤولين أميركيين قولهم إن جزءًا مهمًا من التزامات إيران قد طُرح عبر قنوات سرية وخارج النص الرسمي، ولم تُنشر أي تفاصيل حول هذه الالتزامات حتى الآن.
النص الرسمي الكامل لمذكرة التفاهم
اتفقت الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بتاريخ (......) بحُسن نية على البنود التالية:
المادة 1
توقع الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الحالية مذكرة التفاهم هذه لإعلان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، والتعهد بعدم بدء أي حرب أو عمليات عسكرية ضد بعضهما البعض من الآن فصاعدًا، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض، وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وبقية أحكام هذا البند.
المادة 2
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية باحترام سيادة ووحدة أراضي كل منهما الأخرى، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض.
المادة 3
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتفاوض خلال مدة أقصاها 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي؛ وتكون هذه المدة قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.
المادة 4
فور التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، تبدأ الولايات المتحدة الأميركية في إجراءات رفع حصارها البحري وأي عرقلة أو عائق ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتنهي الحصار البحري بالكامل في غضون 30 يومًا.
وخلال هذه المدة، ستعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إعادة "ترافيك" وحركة السفن بالتناسب مع مستويات ما قبل الحرب.
كما تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بسحب قواتها من المناطق المجاورة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في غضون 30 يومًا من التوصل إلى الاتفاق النهائي.
المادة 5
بعد التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، توفر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر بذل قصارى جهودها، العبور الآمن للسفن التجارية دون تقاضي أي رسوم ولمدة 60 يومًا فقط من الخليج العربي إلى بحر عُمان والعكس.
تبدأ حركة السفن التجارية فورًا، وسيتم استئنافها بالكامل في غضون 30 يومًا، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة رفع الموانع الفنية والعسكرية وإزالة الألغام من قِبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وستجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية محادثات مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية لمضيق هرمز بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج ووفقًا للقانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية لمضيق هرمز.
المادة 6
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع شركائها الإقليميين بإعداد خطة قطعية ومتفق عليها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وسيتم وضع الآلية التنفيذية لهذه الخطة كجزء من الاتفاق النهائي في غضون 60 يومًا.
وستصدر الولايات المتحدة جميع التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة لإجراء المعاملات المالية ذات الصلة.
المادة 7
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإلغاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية أحادية الجانب سواء كانت أولية أو ثانوية، وفقًا للجدول الزمني المتفق عليه في الاتفاق النهائي.
ويقر الطرفان بالأهمية الحيوية لملف رفع العقوبات، ويعلنان عزمهما على معالجة هذا الموضوع فورًا في المفاوضات للتوصل إلى اتفاق متبادل.
المادة 8
تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجددًا أنها لن تنتج ولن تحوز أسلحة نووية.
واتفقت الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على البت في مصير المواد المخصّبة المخزنة من خلال آلية يتم الاتفاق عليها متبادلاً ووفقًا للجدول الزمني للمادة 7؛ ويكون الحد الأدنى للآلية التنفيذية هو تخفيف المواد في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما اتفق الطرفان على مناقشة مسألة التخصيب والقضايا الأخرى المتفق عليها ذات الصلة بالاحتياجات النووية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وفقًا لإطار مرضٍ يتم تحديده في الاتفاق النهائي.
وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذا البند.
وتقر الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية بالأهمية الحيوية للقضايا النووية المذكورة أعلاه، وتعلنان عزمهما على معالجتها فورًا في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل.
المادة 9
حتى التوصل إلى اتفاق نهائي، توافق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على الإبقاء على الوضع الراهن (حفظ الوضع الحالي).
وستحافظ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات جديدة، كما لن تنشر قوات إضافية في المنطقة.
المادة 10
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية فورًا عقب التوقيع على مذكرة التفاهم هذه وحتى وقت رفع العقوبات، بأن تصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني، والمنتجات النفطية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة بما في ذلك الخدمات المصرفية، والتأمين، والشحن والنقل، وغيرها.
المادة 11
تتعهد الولايات المتحدة الأميركية، عقب تنفيذ مذكرة التفاهم هذه، بإتاحة الأموال والأصول المجمدة أو المقيّدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالكامل للاستخدام.
وسيتفق الطرفان خلال المفاوضات على آلية تحرير هذه الأموال.
وستكون هذه الأموال، سواء بقيت في الحساب الأصلي أو تم نقلها، قابلة للاستخدام تمامًا للدفع لأي مستفيد نهائي يتم تحديده من قِبل البنك المركزي الإيراني. وتتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإصدار جميع التراخيص والموافقات اللازمة في هذا الصدد.
المادة 12
توافق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على إنشاء آلية تنفيذية لمراقبة التنفيذ الناجح لمذكرة التفاهم هذه والالتزام المستقبلي بالاتفاق النهائي.
المادة 13
بعد التوقيع على مذكرة التفاهم هذه، ومشروطًا ببدء تنفيذ المواد 1 و4 و5 و10 و11 واستمرار تنفيذها، تبدأ الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية المفاوضات بشأن الاتفاق النهائي حصرًا فيما يتعلق بالمواد الأخرى.
المادة 14
سيتم اعتماد وتأكيد الاتفاق النهائي من خلال قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
كشف السجين السياسي الإيراني، وحيد سرخ غل، المحتجز في سجن "قزل حصار" بمدينة كرج، في رسالة له، عن "ضغوط واضطهاد ممنهج" ضد السجناء السياسيين المعتقلين في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة بإيران، مطالبًا وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية وعموم الناس بالالتفات إلى وضع السجناء السياسيين.
وكتب سرخ غل في هذه الرسالة أن السجناء السياسيين في سجن إيفين والعنبر رقم (3) في سجن قزل حصار بكرج يُحتجزون في "أسوأ الظروف"، ويواجهون الإهانة، والإذلال، والسب، بل وحتى الاعتداء بالضرب المبرح.
وخصص هذا السجين السياسي الجزء الأكبر من رسالته لتسليط الضوء على وضع السجناء السياسيين المحتجزين في "قزل حصار"، مشيرًا إلى أن بعضهم تعرض للضرب والأذى الجسدي منذ لحظة دخولهم إلى السجن.
ووفقًا لأقواله، فقد أمضى عدد من السجناء السياسيين أكثر من أربعة أشهر في زنازين انفرادية؛ وهي زنازين تكدس فيها سجناء بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية بعدة أضعاف، وحُرم المحتجزون فيها من إجراء الاتصالات، ومن الخروج إلى الفناء (الهواخور)، بل وحتى من التزود بالمياه الكافية للنظافة الشخصية.
ويُذكر أن سرخ غل كان قد اعتُقل في (أغسطس (أب) 2023، وحُكم عليه بالسجن لمدة 16 عامًا (منها خمس سنوات واجبة التنفيذ)، ونُقل في شهر مايو (أيار) الماضي من سجن "إيفين" إلى سجن "قزل حصار".
الجناح 35 في "قزل حصار"
كان موقع "هرانا" الحقوقي قد نقل، في 7 يونيو (حزيران) الجاري، عن سجناء سابقين في الجناح 35 بسجن قزل حصار تقارير تفيد بالتعرض للضرب، والعقاب البدني، والحرمان الطبي، ونقل بعض المعتقلين الجرحى إلى هذا السجن، مشيرًا إلى أن عددًا منهم واجهوا قيودًا في الوصول إلى الخدمات الطبية حتى بعد نقلهم.
وتابع سرخ غل، في رسالته، موضحًا أن السجناء السياسيين يُحتجزون حاليًا في قاعة تابعة لنفس القسم المنسوب لسجن "رجائي شهر"، والمجاور للعنابر المخصصة للجرائم الجنائية العنيفة، بما في ذلك القتل والاغتصاب.
ووصف ظروف هؤلاء السجناء بأنها تشمل نقص المساحة الكافية والمناسبة، والحرمان من الاتصال الهاتفي اليومي، وتقليص ساعات الخروج إلى الفناء، وحرمان بعض السجناء من الزيارات الكابينية (عبر الحواجز الزجاجية)، فضلًا عن النقص الحاد في الإمكانيات الأساسية مثل مياه الشرب الصالحة.
وفي السياق ذاته، كشف السجين السياسي السابق، سهيل عربي، في رسالة له بتاريخ 4 يونيو الجاري عن ظروف الاحتجاز في الجناح 35 بسجن قزل حصار، مشيرًا إلى وجود سجناء محكوم عليهم بالإعدام، وقيود اتصالات صارمة، وما وصفه بالتعاملات العنيفة من قِبل بعض مسؤولي السجن.
كما أفادت قناة "إيران إنترناشيونال" في 29 أبريل (نيسان) الماضي بأن 21 متظاهرًا محكومًا عليهم بالإعدام في سجن قزل حصار محتجزون بشكل معزول تمامًا، ومحرومون من التواصل مع عائلاتهم، أو محاميهم المعينين، ومن الخروج إلى الفناء أو التواصل مع بقية السجناء.
الأوضاع في "إيفين" ومطالب بتحرك عاجل
في جانب آخر من رسالته، انتقد سرخ غل المعاملة التي يتلقاها السجناء السياسيون من قِبل الحراس في سجن "إيفين"، مؤكدًا أن هؤلاء السجناء يواجهون سلوكيات تحقيرية. وبحسب قوله، فإن السجناء السياسيين في "إيفين"، علاوة على تعرضهم للإهانة والإذلال، يواجهون مخاطر أخرى؛ إذ يتم دفع بعضهم نحو تعاطي المخدرات التخليقية (الاصطناعية).
وشدد سرخ غل، في الرسالة، على أنه من المستبعد أن يكون كبار مسؤولي السجن على غير دراية بهذه الأوضاع، واصفًا ما يمر به السجناء السياسيون بأنه جزء من مسار ممنهج يُتبع بهدف "بث الرعب والخوف بين صفوف الشعب".
كما أشار سرخ غل إلى استمرار تنفيذ أحكام الإعدام والمخاوف المحيطة بأوضاع السجناء السياسيين، مناشدًا وسائل الإعلام، والمنظمات الدولية والحقوقية، والشعب الإيراني، بالبحث عن حلول مؤثرة لإنقاذ السجناء السياسيين، بمن فيهم معتقلو "حرب الـ 12 يومًا"، والمتظاهرون المعتقلون في الاحتجاجات الأخيرة، ومحتجزو الحرب الحالية.
ونفذت السلطة القضائية الإيرانية إعدامات بحق 42 سجينًا سياسيًا على الأقل في الفترة الممتدة من 18 مارس (آذار) الماضي وحتى 3 يونيو الجاري، من العام الحالي، تزامنًا مع صدور تقارير عن صدور أحكام إعدام جديدة بحق عدد من المتظاهرين والسجناء السياسيين؛ وهو ما ضاعف المخاوف بشأن مصير المعتقلين.
واختتم السجين السياسي رسالته بوصف هؤلاء المعتقلين والسجناء بأنهم "صرخة ونحيب الصمت الشعبي" الذي عانى لسنوات- بحسب تعبيره- من الظلم والقمع.
أفاد موقع "فري برس" الإخباري، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن وزارة الخارجية الأميركية بدأت تحقيقًا في أنشطة تريتا بارسي، المؤسس والرئيس السابق للمجلس الوطني للإيرانيين- الأميركيين (ناياك)، وقد تدرج الإجراءات اللازمة لترحيله من الولايات المتحدة على جدول أعمالها.
ويقيم بارسي، وهو مولود في إيران ونشأ في السويد، في الولايات المتحدة منذ أكثر من 202 عامًا، ويحمل حاليًا البطاقة الخضراء (الغرين كارد). ويظهر حاليًا في وسائل الإعلام بصفته محللاً سياسيًا وأحد مؤسسي معهد "كوينسي" للدراسات.
وذكر موقع "فري برس"، يوم الخميس 11 يونيو (حزيران)، أنه رغم ذلك، لا ينظر بعض المسؤولين في إدارة دونالد ترامب إلى بارسي على أنه مجرد محلل أو معلق سياسي في واشطن.
وقال مسؤول في الإدارة الأميركية، مشيرًا إلى جهود وزير الخارجية، ماركو روبيو، لمواجهة النفوذ الإيراني في الولايات المتحدة: "لقد أوضح وزير الخارجية موقفه تمامًا؛ أي فرد يسعى إلى تقويض الولايات المتحدة سيكون تحت المجهر والتحقيق الدقيق".
وأضاف هذا المسؤول الأميركي أن هذا النهج يشمل أيضًا الأفراد الذين "يدعمون أعداءنا، وتصب أنشطتهم في اتجاه تقديم مصالحهم وتقويض أمننا".
وبحسب وثائق اطلع عليها "فري برس"، فقد تزايدت المخاوف بشأن العواقب المحتملة لتحقيقات وزارة الخارجية ضد بارسي إلى حد دفع معهد "كوينسي" إلى اتخاذ إجراءات قانونية استباقية.
وأعلنت الرئيسة التنفيذية لمعهد "كوينسي"، لورا لامب، في مذكرة وجهتها إلى موظفي المعهد وداعميه الماليين في شهر أبريل (نيسان) الماضي، أن رئيس مجلس الإدارة وافق على تأمين التكاليف القانونية اللازمة للتصدي لأي محاولة محتملة لترحيل بارسي.
وفقًا للمذكرة، نصح محامي هجرة معهد "كوينسي" بإعداد التماس قضائي منذ الآن، لضمان إمكانية المتابعة القانونية في حال تعرض بارسي للاعتقال المفاجئ من قِبل عملاء الهجرة.
ولم يستجب بارسي أو معهد كوينسي حتى الآن لطلبات "فري برس" للتعليق على هذا الموضوع.
ودأب الرئيس السابق لمنظمة "ناياك"، في مواقفه الإعلامية ومقالاته، على التحذير من أن إدارة ترامب قد وقعت في "مستنقع" فيما يخص الملف الإيراني، وأن السبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع نظام الملالي والقادة العسكريين في طهران.
كما نشر في مقالاته على المنصات التابعة لمعهد "كوينسي" ونشرته البريدية الشخصية، تقارير حول التهديدات الإيرانية ضد الولايات المتحدة، ونسب هذه المعلومات في بعض الحالات إلى "مصادر في طهران".
وكتب سابقًا في أحد المقالات أنه في حال استئناف الضربات ضد إيران، فإن مراكز البيانات الأميركية في دولة الإمارات العربية المتحدة قد تصبح أهدافًا لطهران.
وبحسب قوله، فإن "طهران ترى في هذا الوضع فرصة لضرب طموحات الإمارات في التحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي".
وبذلك، حذر الرئيس السابق لـ "ناياك" في تصريحاته أميركا وإسرائيل من التخلي عن وقف إطلاق النار ومهاجمة إيران مجددًا.
ترحيل الموالين للنظام الإيراني من الأراضي الأميركية
أدرجت إدارة ترامب بالفعل، في عدة ملفات، عملية ترحيل الموالين والداعمين للنظام الإيراني من الأراضي الأميركية على جدول أعمالها.
حيث أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في أبريل الماضي إلغاء "الغرين كارد" الخاص بعيسى هاشمي، نجل معصومة ابتكار (نائبة الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، لشؤون المرأة)، وزوجته وطفله، وأن الثلاثة قيد الاحتجاز حاليًا.
كما تم في شهر أبريل إلغاء إقامة اثنين من أفراد عائلة قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في أميركا. وبحسب إعلان الخارجية الأميركية، فإن حميدة سليماني أفشار وابنتها تحتجزهما إدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بالولايات المتحدة منذ 3 أبريل الماضي.
وفي شهر فبراير (شباط) الماضي، وعقب تصاعد الانتقادات لوجود فاطمة أردشير لاريجاني، ابنة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق، علي لاريجاني، في الولايات المتحدة، قامت جامعة "إيموري" بفصلها.
وتسمح قوانين الهجرة الفيدرالية الأميركية للحكومة باتخاذ إجراءات لترحيل أي شخص غير مواطن إذا اعُتبر تهديدًا محتملاً لمصالح الولايات المتحدة أو سياستها الخارجية.
الانتقادات الموجهة لـ "بارسي"
يواجه بارسي البالغ من العمر 51 عامًا منذ سنوات انتقادات وغضبًا من الكثير من الإيرانيين- الأميركيين؛ حيث يرى المنتقدون أنه يستغل إقامته ومكانته في الولايات المتحدة للترويج لمواقف النظام الإيراني.
كما يراقب بعض النواب الجمهوريين والنشطاء المعارضين للنظام الإيراني أنشطة بارسي ومواقفه منذ سنوات ويوجهون الانتقادات إليه.
تأسست منظمة "ناياك" على يد بارسي عام ٢٠٠٢؛ وهي منظمة دافعت عن "المساومة الدبلوماسية" بين واشنطن وطهران.
وفي عام 2020، اتهم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون: تام كوتون، ومايك براون، وتيد كروز، منظمة ناياك بـ "ترديد صدى بروباغندا النظام الإيراني في الولايات المتحدة".
وطالبوا وزارة العدل الأميركية بالتحقيق في أنشطة "ناياك" لتحديد ما إذا كانت المجموعة تعمل كوكيل لحكومة أجنبية دون تسجيل رسمي. ومع ذلك، لم يتم الإعلان رسميًا عن أي تحقيقات أو إجراءات قانونية بهذا الشأن حتى الآن.
وينفي بارسي دائمًا ارتكاب أي مخالفات، معتبرًا هذه الانتقادات محاولة لإسكات أصوات أولئك الذين يعارضون سياسات إدارة ترامب تجاه إيران. وبدورها، تصف "ناياك" نفسها بأنها "منظمة تدافع عن الحقوق المدنية للإيرانيين- الأميركيين"، مشيرة إلى أنها صوت أولئك الراغبين في منع وقوع حرب في وطنهم الأم.
وفي وقت سابق من شهر أبريل الماضي، وصفت الناشطة الأميركية الموالية لترامب في حركة "ماغا"، لورا لومر، بارسي بأنه "بوق للنظام الإيراني"، وقالت إنه استغل معهد "كوينسي" ومنظمة "ناياك" لـ "ترويج مواقف داعمة للنظام الإيراني". وكتبت لومر أيضًا في شهر مايو (أيار) الماضي: "أيام وجود بارسي في بلادنا باتت معدودة".
وفي الوقت نفسه، حظيت عريضة إلكترونية أطلقها الناشط والباحث الإيراني، أفشين كامياب نيا، باهتمام واسع؛ حيث وقع عليها أكثر من 81 ألف شخص، طالبوا فيها بترحيل بارسي من الولايات المتحدة، مشيرين إلى مساعدته في "الحرب المعلوماتية" للنظام الإيراني.
ونظم جمع من طلاب جامعة ييل رفقة إيرانيين مقيمين في ولايتي كونيتيكت ونيويورك، يوم الخميس 1 يناير (كانون الثاني) الماضي، تجمعًا أمام قاعة كان يتحدث فيها تريتا بارسي، احتجاجًا على حضوره في الجامعة. وردد المحتجون هتافات ورفعوا لافتات لتوعية المشاركين حول دور مجموعة "ناياك" في دعم النظام.
دور "بارسي" في الاتفاق النووي السابق (2015)
دعا معهد كوينسي منذ تأسيسه عام 2019 إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي حول العالم وإنهاء ما يصفه بـ "الحروب التي لا نهاية لها" لواشنطن في الشرق الأوسط. كما دافع المعهد عن نهج أكثر مرونة تجاه منافسي أميركا التقليديين، بما في ذلك الصين وروسيا، وطالب بنشاط بتقليص الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
وتطرق "فري برس" في تقريره إلى دور بارسي في مسار التوصل إلى الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015) إبان رئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة، وذكرت أنه بصفته رئيسًا سابقًا لـ "ناياك"، تردد على البيت الأبيض أكثر من 30 مرة قبل اللمسات النهائية للاتفاق عام 2015.
وبحسب الموقع، كان بارسي يقدم نفسه علنًا كـ "مستشار غير رسمي" للمفاوضات، بينما شارك عدد من كبار مسؤولي إدارة أوباما في اجتماعات ومؤتمرات رسم السياسات الخاصة بمنظمة ناياك.
كما يُتهم روزبه بارسي، شقيق تريتا بارسي، بـ "الضغط والعمل لصالح النظام الإيراني"؛ وكان يعمل سابقًا مديرًا لبرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المعهد السويدي للشؤون الدولية. وكشفت وسائل إعلام سويدية عام 2024 عن ارتباط روزبه بارسي بشبكة تابعة لوزارة الخارجية الإيرانية تهدف للتأثير على سياسات الدول الغربية.
مرّت 100 يوم على مقتل المرشد علي خامنئي، الذي تربع على رأس السلطة في إيران لأكثر من ثلاثة عقود، ارتبط اسمه خلالها لدى عائلات الضحايا المطالبة بالعدالة إلى السجناء السياسيين والمتظاهرين وضحايا السياسات الحكومية، بالإعدامات، والسجون، الرقابة، والتمييز، والموت الذي كان يمكن تجنبه.
وعقب انتشار نبأ مقتله إثر هجوم أميركي- إسرائيلي مشترك، في 28 فبراير (شباط) الماضي، ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بروايات توثق ابتهاج شريحة من الإيرانيين؛ حيث تحدث بعض المواطنين عن سماع إطلاق أبواق السيارات وزغاريد الفرح في الشوارع فور إعلان الخبر. وفي المقابل، أكد عدد من عائلات الضحايا، والسجناء السياسيين السابقين، والمعارضين أن خامنئي بموته قد أفلت من المحاسبة والعدالة.
وبعد مرور 100 يوم، لا يزال السؤال قائمًا: ماذا جرى للمجتمع الإيراني في عهد خامنئي حتى يتحول موت الرجل الأقوى في البلاد لدى جزء من الشعب من لحظة حداد إلى خبر يبعث على الابتهاج؟
الإعدام.. الركيزة الأساسية لآلة القمع
تعد السيطرة على عقوبة الإعدام وتوسيع نطاقها كأداة رئيسية للقمع في إيران من أبرز الانتقادات الموجهة لعلي خامنئي. فمنذ السنوات الأولى لجلوسه على رأس السلطة، لم ينأَ خامنئي بنفسه عن الإعدامات السياسية، بل دافع عنها مرارًا بلغة صريحة؛ إذ كتب في ديسمبر (كانون الأول) 1988عندما كان رئيسًا للجمهورية في صحيفة "رسالت" أن الذين أُعدموا كانوا "مستحقين" ذلك. وفي سنوات لاحقة وتحديدًا في يونيو (حزيران) 2017، دافع عن سجل النظام الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي قائلاً: "لا ينبغي استبدال مكان الشهيد بالجلاد".
وفي عهد قيادته، ظلت إيران باستمرار في زمرة الدول ذات المعدلات الأعلى عالميًا في تنفيذ أحكام الإعدام. وفي الوقت الذي ألغت فيه دول عديدة عقوبة الموت أو حدت منها، لم تكتفِ طهران بالإبقاء عليها فحسب، بل وسعت نطاق استخدامها ليشمل القضايا السياسية، الأمنية، العقائدية، قضايا المخدرات، والاحتجاجات الشعبية.
ووفقًا لبيانات "منظمة حقوق الإنسان في إيران"، سُجل نحو 11 ألف حالة إعدام في البلاد منذ عام 2010، وقع جزء كبير منها في السنوات الأخيرة. وشهدت معدلات الإعدام في السنوات الأخيرة من حكم خامنئي تسارعًا غير مسبوق؛ فبحسب تقرير وكالة "هرانا"، ارتفع عدد الإعدامات المسجلة من 351 حالة في عام 2021، إلى أكثر من 620 حالة في عام 2022، ثم إلى أكثر من 771 حالة في عام 2023، وتجاوز 1069 حالة في عام 2024، ليصل إلى أكثر من 2488 حالة في عام 2025.
وتعتبر ملفات إعدام السجناء السياسيين من أحلك الصفحات في سجل النظام الإيراني، إبان عهد خامنئي؛ حيث ضمت قوائم المعدومين نشطاء سياسيين، متظاهرين، أعضاء في جماعات معارضة، متهمين بالتجسس، وسجناء حوكموا في مسارات قضائية مبهمة وأمنية.
ويُذكر أن الجهاز القضائي أعدم ما لا يقل عن 42 سجينًا سياسيًا في السجون الإيرانية خلال الفترة من 18 مارس (آذار) إلى 2 يونيو من العام الجاري فقط، فيما أصدر أحكامًا بالموت بحق عشرات آخرين.
وقد حذرت المنظمات الحقوقية مرارًا من غياب المحاكمات العادلة، الحرمان من توكيل محامين مستقلين، التعذيب، الاعترافات القسرية، الحبس الانفرادي، والوفيات المشبوهة داخل مراكز الاحتجاز. وفي ظل هذه البنية، تحول الإعدام من إجراء قضائي مستقل إلى أداة لبث الرعب وإخماد صوت الاحتجاج.
وكانت هيمنة النظرة الأمنية على مسار التقاضي الميزة الأبرز للهيكل القضائي في عهد خامنئي. ففي كثير من القضايا السياسية والأمنية، حُرم المتهمون من التواصل الحر مع محامين مستقلين، وتواترت التقارير عن ممارسات تعذيب، وضغوط لانتزاع اعترافات، واحتجاز طويل في زنازين انفرادية، وحرمان طبي، بل وحالات وفاة غامضة في المعتقلات.
وإلى جانب الإعدامات، شكّلت قضية حصانة الجناة وصناع القرار جزءًا من حلقة القمع هذه؛ إذ إن العديد من الشخصيات المتورطة في إعدامات الثمانينيات والممارسات القمعية القضائية اللاحقة لم يُحاسبوا في عهد خامنئي، بل رُقّوا إلى مناصب سيادية عليا. ولهذا السبب، تحمّل عائلات الضحايا خامنئي المسؤولية السياسية الأولى عن استمرار آلة الإعدام في الجمهورية الإسلامية.
قمع الاحتجاجات
كان التعامل الأمني مع الاحتجاجات القاسم المشترك الأبرز طوال فترة قيادة خامنئي. فمن المظاهرات الطلابية والسياسية إلى التجمعات النقابية للعمال، المعلمين، المتقاعدين، الممرضين، المزارعين، والأقليات العرقية، كانت ردة فعل السلطة تتلخص في الاعتقال، فبركة الملفات الأمنية، والقمع الميداني، بدلاً من الاستجابة لمطالب المواطنين.
وقبل موجات الاحتجاج العارمة، كانت ملفات مثل "الاغتيالات المسلسلة"، والتضييق على النشطاء السياسيين، والصحافة، والجامعات، مؤشرات مبكرة على ترسيخ نهج الإقصاء، الترهيب، والبطش الأمني بالمعارضين.
وفي الفترة من يوليو (تموز) 1999 إلى يناير (كانون الثاني) 2018 واجهت البلاد ثلاث موجات احتجاجية كبرى (طلابية، سياسية، ومعيشية) بقمع واسع النطاق. ففي يوليو 1999، أدى الهجوم على السكن الجامعي لجامعة طهران إلى مقتل عدد من الطلاب واعتقال المئات. وعقب انتخابات عام 2009، قُتل العشرات وتلت ذلك اعتقالات واسعة وفرض الإقامة الجبرية على قادة "الحركة الخضراء". وفي يناير 2018، انطلقت احتجاجات معيشية من المدن الصغيرة لتتمدد إلى عشرات المدن الأخرى، مخلفةً 25 قتيلاً على الأقل وآلاف المعتقلين.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أشعل رفع أسعار البنزين شرارة احتجاجات عارمة، لكن نطاق الاستياء كان أعمق بكثير؛ حيث أعلنت وكالة "رويترز" حينها أن عدد القتلى بلغ نحو 1500 شخص، فيما وثقت منظمة "العفو الدولية" هويات المئات منهم، واصفةً تلك الاحتجاجات بأنها واحدة من أكثر العمليات القمعية دموية في تاريخ النظام الإيراني.
أما مقتل الشابة مهسا جينا أميني أثناء احتجازها لدى "دوريات الإرشاد" في سبتمبر (أيلول) 2022 فقد فجّر موجة احتجاجات عارمة شملت عموم البلاد. وبحسب منظمات حقوقية، فقد قُتل 550 شخصًا على الأقل خلال تلك الأحداث واعتقل الآلاف، لتتحول حركة "المرأة، الحياة، الحرية" إلى التحدي الاجتماعي والسياسي الأكبر في حقبة خامنئي.
وقبل شهرين قليلة من مقتل علي خامنئي، شهدت إيران موجة جديدة من الاحتجاجات العارمة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ويناير 2026. وكان المرشد السابق قد كرر في 3 يناير الماضي مواقفه السابقة؛ واصفًا المتظاهرين بأنهم "مرتزقة الأعداء"، ومشددًا على ضرورة قمعهم. ووفقًا لتقارير "إيران إنترناشيونال"، فقد قُتل ما لا يقل عن 36,500 شخص خلال احتجاجات وعمليات قمع يناير 2026، فضلاً على اعتقال الآلاف في الأشهر التالية ومواجهة بعضهم لأحكام إعدام وسجون مطولة.
وطوال هذه العقود، واجهت احتجاجات العمال، المعلمين، المتقاعدين، الممرضين، المزارعين، وسائقي الشاحنات، والتجمعات الشعبية المنددة بأزمات المياه والطاقة، واستهداف حاملي البضائع (الكولبران)، الاعتقالات التعسفية والملاحقات الأمنية.
هندسة المجتمع بالقمع والرقابة
تمثلت إحدى أبرز سمات عهد خامنئي في تمدد آليات الرقابة المجتمعية؛ إذ تجاوز الحرس الثوري وقوات التعبئة (الباسيج) أدوارهما العسكرية البحتة ليتحولا إلى لاعبين رئيسيين في المشاهد الأمنية، السياسية، والاجتماعية. وبجانب القوات الرسمية، بات ظهور عناصر "اللباس المدني" سمة ثابتة في قمع المظاهرات، وهو ما تكرر من أحداث السكن الجامعي وصولاً إلى انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" واحتجاجات يناير 2026.
وبموازاة ذلك، أضحى تقييد حرية التعبير وحظر الانتقاد ركيزة أساسية؛ حيث اعتُقل وحوكم وسُجن عشرات الآلاف بتهم فضفاضة، مثل "إهانة المرشد" و"الدعاية ضد النظام". ولم تسلم وسائل الإعلام؛ إذ غُيبت عشرات الصحف والمجلات، واعتُقل مئات الصحافيين وسُجنوا أو أُجبروا على مغادرة البلاد، لتصنف إيران لسنوات طويلة كواحدة من أكبر سجون الصحفيين في العالم.
ومع الطفرة الرقمية، غدا التحكم في الفضاء الافتراضي أولوية حكومية قصوى، فصارت "الفلترة"، وحجب المواقع، وتقييد منصات التواصل، وقطع الإنترنت بالكامل أثناء الاحتجاجات أدوات ثابتة للسيطرة على تدفق المعلومات. وسجل نوفمبر 2019 أحد أوسع عمليات قطع الإنترنت في العالم، وهو النهج الذي استمر لاحقًا في سائر الأحداث الأمنية وصولاً إلى احتجاجات يناير 2026.
وشكل السعي لتطوير "الشبكة الوطنية للمعلومات" وفصل الإنترنت الإيراني عن الشبكة العالمية جزءًا من سياسة السيطرة الرقمية في عهد خامنئي، وهي الآليات التي استمر العمل بها حتى بعد مقتله. كما واصل التلفزيون الرسمي الإيراني (صدا وسیما) بث "الاعترافات القسرية" للمعتقلين والنشطاء، وهي اعترافات تؤكد العائلات والمحامون أنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب.
وحتى بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية ومقتل 176 راكبًا كانوا على متنها، واجهت عائلات الضحايا والمحتجون على التعتيم الحكومي تضييقات وملاحقات أمنية مشددة.
وإن هذه المنظومة- من عسكرة الشوارع وصنوف الرقابة وفلترة الإنترنت والاعترافات القسرية إلى الضغط على عائلات الضحايا- أنشأت شبكة "أخطبوطية" للتحكم في المجتمع وكبح جماح المعارضين.
السيطرة على المجتمع.. من النساء إلى الجامعات والأقليات
ظل "الحجاب الإجباري" أحد أكثر الرموز رسوخًا للتحكم الاجتماعي في عهد خامنئي، الذي دافع عنه مرارًا باعتباره قضية سياسية وهوية وطنية وليس مجرد حكم ديني. وبالنسبة لملايين النساء الإيرانيات، تحولت هذه السياسة إلى نمط للتدخل الحكومي في الحياة الخاصة ومصادرة الحقوق الفردية.
وفي هذه الحقبة، أصبحت "دوريات الإرشاد" وغيرها من الأجهزة أدوات رسمية للسيطرة على النساء؛ حيث تحول الاحتجاج ضد الاعتقال، الغرامات، والإهانات الناتجة عن فرض القيود على اللباس- بدءًا من "فتيات شارع الثورة" وصولاً إلى حراك "المرأة، الحياة، الحرية"- إلى أحد أبرز رموز مناهضة النظام. ولم يقتصر التقييد على المظهر؛ بل إن البنية القانونية رسخت التمييز ضد المرأة في مجالات الزواج، الطلاق، الحضانة، الإرث، والفرص السياسية والمهنية. وفي سنواته الأخيرة، أسهمت السياسات السكانية وتقييد وسائل منع الحمل والإجهاض في مصادرة حق النساء في تقرير مصيرهن الصحي والأسري.
وامتدت هندسة المجتمع لتشمل التعليم العالي، الحريات الدينية، حقوق الأقليات، والمجتمع المدني. فالجامعات واجهت موجات "أسلمة" وعسكرة أمنية أدت إلى حرمان مئات الطلاب من الدراسة وطرد الأساتذة المنتقدين، فضلاً عن تعرض العلوم الإنسانية لهجمات أيديولوجية مستمرة. كما عانت الأقليات الدينية والعقائدية؛ حيث واجه البهائيون الحرمان الممنهج من التعليم والتوظيف وصودرت ممتلكاتهم، في حين اشتكى أهل السُّنّة، الدراويش، والمسيحيون الجدد (النوكيشان) من التمييز والاضطهاد الأمني.
وفي مناطق مثل كردستان، وبلوشستان، وخوزستان، تحدث النشطاء عن أمننة المطالب الثقافية، اللغوية، والسياسية. كما واجه "مجتمع الميم" جرمنة قانونية وغيابًا تامًا للمظلة الحقوقية. وتوالت الاعتقالات بحق المحامين والنقابيين ونشطاء البيئة، الذين شكلت وفاة كاووس سيد إمامي في المعتقل وفبركة الملفات ضدهم رمزًا لمعاناتهم.
وفي الإطار ذاته، برز فرض الإقامة الجبرية الطويلة على آية الله حسين علي منتظري، ولاحقًا على مير حسين موسوي ومهدي كروبي وزهراء رهنورد (قادة الحركة الخضراء) دون محاكمة علنية، كأوضح الرموز لتصفية الحسابات مع منتقدي خامنئي.
طرقات الموت
بينما خصص النظام الإيراني مليارات الدولارات للمشاريع الأيديولوجية والعسكرية، تسببت جودة الطرقات المتردية، والسيارات غير الآمنة، وضعف الرقابة في تحويل حوادث السير إلى واحدة من أبشع الكوارث المدنية في إيران. ووفقًا لبيانات منظمة الطب الشرعي والإحصاءات الرسمية، قُتل أكثر من 560 ألف شخص في حوادث المرور منذ عام 1997 حتى عام 2025، وأصيب أكثر من مليون و661 ألفًا آخرين بجروح.
وفي السنوات الخمس الأخيرة من حكم خامنئي فقط (منذ مطلع 2021 حتى نهاية ديسمبر 2025)، حصدت حوادث السير أرواح 91261 شخصًا على الأقل في إيران. ويعزو خبراء النقل الكارثة إلى السيارات رديئة الصنع، الطرق غير القياسية، وفشل إدارة السلامة المرورية، ناهيك عن العاهات المستديمة التي غيّرت حياة آلاف المصابين وعائلاتهم للأبد.
وظل قطاع صناعة السيارات في إيران طوال هذه السنين يعمل تحت مظلة دعم حكومي مطلق وفي فضاء احتكاري؛ إذ دافع خامنئي في محطات عدة عن حظر استيراد السيارات الأجنبية بدعوى "دعم المنتج المحلي"، ورغم إقراره أحيانًا بأن جودة التصنيع غير مرضية، فإن الدعم السياسي للاحتكار حال دون خلق منافسة حقيقية ترفع معايير الأمان. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن مئات آلاف الضحايا على الطرقات يمثلون جزءًا من الفاتورة البشرية لنهج الحكم في عهد خامنئي.
تلوث الهواء.. القتل الصامت لمئات الآلاف
تحول تلوث الهواء على مدى العقود الماضية إلى كارثة صحية عامة في إيران؛ فبعد أن كانت تقارير وزارة الصحة بين عامي 2011 و2016 تتحدث عن 20 إلى 30 ألف وفاة سنوية مرتبطة بالتلوث، قفزت التقديرات لاحقًا لتتراوح بين 35 و40 ألفًا، لتكشف الإحصاءات الرسمية الأخيرة عن أبعاد مرعبة.
فبحسب تقييم وزارة الصحة الإيرانية لعام 2023 تسبب تلوث الهواء في 57 مدينة إيرانية بالوفاة المبكرة لـ 30692 شخصًا، ومثلت الجزيئات العالقة (PM2.5) نحو 12.6 في المائة من إجمالي الوفيات في تلك العينة، فيما قدر مركز بحوث البرلمان الخسائر الاقتصادية للأزمة بنحو 23 مليار دولار سنويًا.
وفي عام 2024، تفاقمت الأرقام؛ إذ أعلن رئيس مركز أبحاث جودة الهواء بجامعة شهيد بهشتي، عباس شاهسوني، تسجيل 35540 وفاة ناتجة عن التلوث في 83 مدينة. وبعد أشهر، كشف معاون وزير الصحة، علي رضا رئيسي، عن رقم أصدم؛ مشيرًا إلى أن عام 2024 شهد وفاة 58975 شخصًا جراء الجزيئات العالقة الدقيقة، أي بمعدل 161 وفاة يوميًا ونحو 7 وفيات في الساعة الواحدة.
وتثبت هذه البيانات أن تلوث الهواء أصبح قاتلاً جماعيًا في عهد خامنئي؛ حيث تشير التقديرات التراكمية في العقود الأخيرة إلى سقوط مئات الآلاف، بل وتجاوز المليون ضحية في بعض التقديرات العليا. ويعود ذلك لتهالك أساطيل النقل، الوقود الرديء والمغشوش (مثل المازوت)، وضعف النقل العام، والتنمية الحضرية غير المتوازنة، والتجاهل المزمن للتحذيرات البيئية لصالح الإبقاء على صناعات متهالكة ومنافع مراكز القوى.
"كورونا" وأمر خامنئي بحظر استيراد اللقاحات
تعتبر جائحة "كورونا" واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ إيران المعاصر. فرغم أن الإحصاءات الرسمية تتحدث عن وفاة نحو 140 إلى 146 ألف شخص، فإن التقديرات المستقلة وحسابات الوفيات الزائدة تؤكد أن الأرقام الحقيقية أضعاف ذلك بكثير؛ إذ صرح محسن منصوري، مساعد الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، لاحقًا بأن "كورونا" حصد أرواح قرابة 700 ألف شخص في إيران حتى نهاية حكومة حسن روحاني.
وفي 9 يناير 2021 ، خرج علي خامنئي ليعلن رسميًا حظر استيراد اللقاحات الأميركية والبريطانية الصنع، في وقت كانت فيه دول العالم تدشن حملات تطعيم مكثفة لمواطنيها. وترتب على هذا القرار تأخير كارثي في وصول اللقاحات للشعب، وتوجيه البوصلة نحو وعود بروباغندا "الإنتاج المحلي" الفاشلة.
وفي صيف عام 2021 ومع تفشي متحور "دلتا"، عاشت إيران موجة تفشٍ هي الأقسى؛ حيث تجاوزت الوفيات اليومية المعلنة حاجز 700 شخص. وشكل قرار الحظر، مصحوبًا بالتعتيم الإحصائي، نموذجًا صارخًا لتقديم الأيديولوجيا السياسية على حياة المواطنين. ولاحقًا، رفعت مجموعة من المحامين والأطباء وعائلات الضحايا دعوى قضائية ضد خامنئي وكبار المسؤولين تحت شعار "المطالبون بالحقوق الصحية"، متهمين إياهم بالتسبب في القتل الجماعي، وهي الحركة التي واجهت السلطة القائمين عليها بالاعتقال والسجن والتنكيل.
الأنشطة العابرة للحدود.. من الاغتيالات إلى تمويل الوكلاء
خارج الحدود الإيرانية، ارتبطت سياسات خامنئي بالاغتيالات، عمليات الاختطاف، وتهديد المعارضين؛ بدءًا من قضية مقهى "ميكونوس" في ألمانيا وصولاً إلى المخططات الحديثة ضد الصحفيين والنشطاء في المهجر.
وبالموازاة مع ذلك، تحول الدعم الممنهج للميليشيات والأنحاء الإقليمية الوكيلة في سوريا، لبنان، العراق، اليمن، وغزة إلى طرف مغذٍ للحروب، القمع، والأزمات الإنسانية في المنطقة. ولم تقتصر تبعات هذه السياسات على الضحايا في تلك الدول فحسب، بل استنزفت موارد هائلة من الاقتصاد الإيراني؛ أموال وثروات كان يمكن استثمارها في قطاعات الصحة، التعليم، البنية التحتية، ورفاه المواطن الإيراني.
إن هذه السطور لا تختزل كل ما جرى لإيران على مدى العقود الماضية؛ فلكل عائلات الضحايا، ولكل سجينة سياسية سابقة، ولكل متظاهر، قصة ورواية يضيفها إلى هذا السجل الحافل. لكن هذا السرد يوضح جليًا لماذا لم يكن موت خامنئي ليمثل مجرد غياب لزعيم سياسي اعتيادي؛ بل كان بالنسبة لقطاع واسع من المجتمع الإيراني نهاية رمزية لحقبة وُضعت فيها السلطة والأيديولوجيا فوق قيمة الإنسان، وعُرفت بالإعدامات، السجون، الرقابة، والوفيات التي كان يمكن تفاديها.
وبعد مرور 100 يوم على مقتله، لا تزال أسئلة مصيرية بلا إجابات؛ فالحقائق الكاملة وراء ملفات القتل والفساد لم تُكشف بعد، والجناة لم يُساقوا إلى منصات العدالة، فيما لا تزال البنى والمنظومات الأمنية التي شيدها ورسخها طوال عهده تخيّم بظلالها الثقيلة على حياة ملايين الإيرانيين.