• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

عداء خامنئي لأميركا: عناد مكلف ومدمّر

مراد ويسي
مراد ويسي

محلل سياسي - إيران إنترناشيونال

4 نوفمبر 2025، 12:05 غرينتش+0آخر تحديث: 13:06 غرينتش+0

كشفت تصريحات علي خامنئي، المرشد الإيراني، بوضوح أنه ما دام على قيد الحياة فلن تُحلّ الخلافات بين إيران وأميركا. فظاهر كلامه يبيّن أنه لا يملك أي رغبة في إقامة علاقات مع واشنطن، بل إنه عملياً أغلق كل مسارات التفاوض المباشر وحلّ الخلافات.

وأكد خامنئي، في خطابه يوم الاثنين 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، أن مشكلة إيران مع أميركا "جوهرية وذاتية"، وليست تكتيكية أو ظرفية؛ وكأنّ المشكلة تكمن في طبيعة أميركا نفسها، لا في سياسات النظام الإيراني.

وقد وضع شروطاً لتحسين العلاقة مع واشنطن هي في الواقع مستحيلة التحقق: الانسحاب الكامل لأميركا من الشرق الأوسط، وإزالة جميع قواعدها من المنطقة، وإنهاء دعمها لإسرائيل.

وخامنئي يدرك، كما يدرك الجميع، أن هذه الشروط لن تتحقق أبداً. وهذا يعني أنه يتعمّد إغلاق الطريق أمام أي تفاعل حقيقي.

في الواقع، وعلى خلاف ادعائه بأن عداء أميركا للنظام الإيراني "ذاتي"، فإنّ خامنئي هو الذي جعل العداء لأميركا مكوّناً أساسياً وضرورياً لبقاء النظام.

وتُظهر تجربة قيادته على مدى ستة وثلاثين عاماً أن سياسته الثابتة الأهم كانت الإصرار على العداء لأميركا وإسرائيل في الخارج، والعناد في مواجهة مطالب الشعب في الداخل.

يبدو أن خامنئي يدرك تماماً أنه إذا أُقيمت علاقات مع واشنطن فلن يبقى أي مبرّر لتبرير الوضع الكارثي في البلاد. فطالما يوجد "عدو خارجي"، يمكنه إلقاء اللوم في سوء الإدارة والفساد وانعدام الكفاءة على هذا العدو. إن صناعة العدو الدائمة هذه هي الحصن الرئيس الذي يحافظ به على شرعيته السياسية.

وفي هذا السياق، يُعدّ الحرس الثوري المستفيد الأكبر من استمرار العداء لأميركا. فقد تحوّل هذا العداء بالنسبة إلى الحرس إلى نوع من التجارة السياسية والاقتصادية.

فبيع النفط بطرق غير قانونية، والاستيراد عبر قنوات التهريب، والشركات الوهمية، والشبكات المالية السرّية، كلها نشأت في ظلّ العقوبات وعداء النظام لأميركا. وقد حقق قادة الحرس الثوري وأسرهم أرباحاً شخصية ضخمة من هذا الوضع، لذا من الطبيعي أنهم أيضاً يفضّلون بقاء الأمور على حالها.

ولم يعد الحرس الثوري يهيمن على الاقتصاد فحسب، بل بات يهيمن أيضاً على السياسة الخارجية للبلاد؛ من العلاقات مع الجيران إلى الموقف من إسرائيل وأميركا، إذ أصبح هو المتخذ الفعلي للقرار بالنيابة عن خامنئي.

حتى الاعتقالات الأخيرة التي طالت عدداً من الخبراء الاقتصاديين المستقلّين تشكّل دليلاً على هذا النهج: أي منع أي صوت ينتقد السياسات الكبرى للنظام أو المصالح الاقتصادية للحرس الثوري.

ويبدو أن النظام يستعدّ لتقييد مساحة النقد في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

فالكثير من قنوات "يوتيوب" والمناقشات التحليلية في الآونة الأخيرة تتحدث عن ضرورة تغيير السياسات الكبرى في البلاد، وهو تغيير يستهدف مباشرة خامنئي وقادة الحرس الثوري.

وقد كان ردّ النظام على هذه الموجة من الانتقادات مزيداً من الاعتقالات والتهديد والقمع.

وفي الذكرى السنوية لاقتحام السفارة الأميركية، عاد خامنئي ليدافع عن ذلك الحدث؛ وهو عمل يرى اليوم أغلبية الإيرانيين، بل وكثير من الشخصيات داخل النظام نفسه، أنه خطأ فادح ومكلف.
ومع ذلك، يواصل خامنئي بعناد الدفاع عن هذا العمل، متمسكاً بتفسيرات تاريخية محرّفة، من بينها زعمه الخاطئ بأنّ أميركا حرّضت العراق على شنّ الحرب ضد إيران.

غير أنّ الشواهد التاريخية تُظهر أن واشنطن، قبل اقتحام السفارة، كانت تسعى للحفاظ على علاقاتها مع طهران بل وحذّرتها من خطر هجوم عراقي محتمل.

وهذه الطريقة في إعادة صياغة التاريخ تبيّن أن خامنئي ومحيطه لا يزالون يسعون لإعادة إنتاج صورة "العدو الخارجي" لتبرير سياساتهم الفاشلة.

ويمكن رؤية تناقضات مشابهة حتى في بيان هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، الذي يقول في فقرة إن العدو لا يجرؤ على الحرب، وفي فقرة أخرى يزعم أن العدو لا يستطيع إبقاءنا في حالة "لا حرب ولا سلام"- من دون أن يترك في الوقت ذاته أي منفذ نحو السلام.

في النهاية، يبدو أن سياسة خامنئي تجاه أميركا لا تنبع من الأيديولوجيا بقدر ما تنبع من حسابات البقاء.

فهو يدرك أن استمرار العداء لأميركا هو الضمان لاستمرار بنية السلطة الحالية. لكن إذا وصلت لحظة شعر فيها أن بقاء النظام نفسه مهدّد، فكما حدث في قضية الاتفاق النووي، فقد يتراجع حتى عن مواقفه المتصلبة.

لقد أثبتت التجربة أن خامنئي، على الرغم من عناده وصلابته في الظاهر، يتراجع عن مواقفه في اللحظات الحرجة.

ومع ذلك، ما لم يشعر بالخطر، سيبقى عداؤه لأميركا بالنسبة إليه ليس مجرد قناعة أيديولوجية، بل أداة سياسية واقتصادية للحفاظ على السلطة. وهو فكرٌ مدمّر وعنيد.

الأكثر مشاهدة

نتنياهو: جنودنا هبّوا كالأُسود والمعركة مستمرة
1

نتنياهو: جنودنا هبّوا كالأُسود والمعركة مستمرة

2

"نيويورك تايمز وبوليتيكو": سياسة ترامب تجاه إيران تُربك الحلفاء وتُضعف نفوذ واشنطن عالميًا

3

القضاء الإيراني ينفذ حكم الإعدام بحق السجين السياسي مهدی فريد بتهمة التجسس لصالح إسرائيل

4

الثانية خلال 3 أيام.. وزارة الحرب الأميركية: مصادرة ناقلة النفط "تيفاني" المرتبطة بإيران

5

غروسي: غياب "الوكالة الدولية" عن أي اتفاق نووي مع إيران سيجعله "وهمًا" لا اتفاقًا حقيقيًا

•
•
•

المقالات ذات الصلة

لماذا لا يعني ضعف النظام الإيراني سقوطه؟

30 أكتوبر 2025، 12:53 غرينتش+0
•
عطا محامد

خلال الأشهر التي تلت حرب الـ12 يوماً، شدّد العديد من المحللين السياسيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على فكرة واحدة: "النظام الإيراني قد ضعف".

وبالنظر إلى بعض المؤشرات، فإن هذه الجملة صحيحة جزئياً، لكن ما المقصود تحديداً بضعف النظام السياسي؟ وهل يعني ذلك أنّ النظام الإيراني لم يعد قادراً على الحكم؟

النظام الإيراني قد ضعف، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه على وشك السقوط. ففي منطق السلطة، يمكن للضعف نفسه أن يتحوّل إلى أداة لإعادة التنظيم. لقد تعلّم النظام الإيراني من خلال الأزمات أنّ بإمكانه عبر ضبط مستوى الضغط والتوتر أن يتجنّب الانهيار، بل ويعيد إنتاج سلطته. وقد أظهر قادة النظام أنّ الأزمة ليست بالضرورة تهديداً، بل قد تكون مصدر استقرار واستمرارية.

هذا لا يعني أنّ النظام الإيراني مستقرّ، لكن طريقة فهم القوى السياسية لطبيعة هذا النظام الذي يفقد تدريجياً مواقعه يمكن أن تُطيل من عمره وتُضعف التفكير في سُبل مقاومته.

حين تُفسَّر كلّ الظواهر من منظور "الانهيار الوشيك"، تبقى الآليات التي يعيد النظام عبرها إنتاج نفسه مخفية عن الفهم السياسي. فالنظام الإيراني، في اللحظة التي يبدو فيها ضعيفاً، يكون في طور إعادة بناء ذاته. هذه الأيام، ينتقل قادة طهران من سياسة القوة الصلبة إلى سياسة مركّبة، ومن السيطرة المطلقة إلى إدارة متناقضة تجمع بين الانفتاح والقمع.

التراجع والتقدّم: منطق البقاء الجديد

يمكن رؤية أحد أبرز مظاهر هذا المنطق الجديد في قضية الحجاب. ففي كثير من مناطق طهران وبعض المدن الكبرى، تراجع النظام فعلياً عن الرقابة الصارمة على اللباس، رغم عودة "التنبيهات الشفوية".

إنّ وجود نساء سافرات في الشوارع، والنشاط الأكثر حرية للمقاهي – رغم تبعاته – اعتُبر لدى كثيرين تراجعاً للنظام عن مواقفه الأيديولوجية. لكن هذا التراجع ليس سوى نصف الحقيقة، إذ إنّ النظام الإيراني في الوقت نفسه الذي خفّض فيه جزئياً عدد عناصر شرطة الأخلاق في الشوارع، زاد من وتيرة الإعدامات والاعتقالات السياسية، بينما يواصل جهازه الأمني التقدّم في مجالات أخرى بقسوة متجددة.

النتيجة هي سلوك مزدوج: تراجع في جبهة، وتقدّم في أخرى. وهذا السلوك المتناقض ليس عشوائياً، بل هو جزء من أسلوب حكم جديد في زمن الأزمة.

في منطق البقاء المستجدّ، أدرك النظام أن السيطرة المطلقة ليست ممكنة ولا ضرورية. فهو يتخلى مؤقتاً عن بعض المجالات لتفريغ الضغط الاجتماعي، وفي المقابل يعزز سلطته في المجالات الأكثر حساسية.

وعليه، يمكن وصف سياسة النظام الحالية بأنها "تحرير مراقَب" – أي مجموعة من الحريات المحدودة تُمنح لاحتواء السخط، بالتوازي مع قمع صارم لضمان الانضباط السياسي.

لكن حتى هذه الحريات المحدودة ليست شاملة أو عامة. فوفقاً للصور المنتشرة من داخل إيران، تتركز هذه "الانفراجات" غالباً في طهران، وخصوصاً في الأحياء الثرية. وفي المدن الكبرى الأخرى، حين يتم الحديث عن "تسامح اجتماعي" أو "حجاب اختياري"، يكون ذلك في الغالب في مناطق ذات دخل مرتفع. لذا يمكن القول إنّ جزءاً صغيراً فقط من المجتمع يستفيد من هذا الوضع، بينما يبقى خطر الاعتقال والقمع قائماً للجميع.

في الواقع، يمنح النظام مجموعة محدودة من المواطنين حريةً ظاهريةً في التصرف كما يشاؤون، ليُظهر للآخرين أن "الحرية موجودة". هذه الحرية المعروضة هي جزء من آلية البقاء؛ فالنظام عبرها يُظهر نفسه بصورة مرنة ومتكيّفة، لتجنّب ردّات الفعل الاجتماعية الواسعة، وليُرمّم شرعيته المتآكلة في مجالات أخرى.

تغيير معنى الحرية

يمكن القول إنّ النظام الإيراني يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم "الحرية". فالحرية هنا لم تعد شاملة، بل تحوّلت إلى امتياز محدود وطبقي، لا يملك أي حماية قانونية، في ظل وجود قوانين جاهزة للقمع. ما هو محدود ومشروط يُقدَّم على أنه حرية.

وهذا الانقسام ليس اجتماعياً فقط، بل يعمل أيضاً على المستوى الرمزي والنفسي. فصور هذه "الحرية المحدودة" التي تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي تُحدث إحساساً بالتطبيع وكأنّ المجتمع يتنفس والنظام صار أكثر ليونة. لكن تداول هذه الصور هو في حدّ ذاته جزء من منطق السيطرة. فالسلطة اليوم لا تمارس الإكراه فحسب، بل تُظهر الحرية لتشوّه معنى الرغبة في الحرية نفسها.

مع ذلك، فإنّ ما لم يتغيّر في النظام الإيراني هو جوهر القمع. ففي المرحلة التي تلت حرب الـ12 يوماً، لم تختفِ آليات الإقصاء بل أصبحت أكثر تعقيداً وشدّة. فتصاعد الاعتقالات والإعدامات يجري بالتوازي مع عرض مظاهر الانفتاح في الشوارع. إنّ صور الانفراج هذه ليست سوى غطاء لإعادة بناء أجهزة الرعب نفسها، ولهذا فهي لا تمتّ بصلة حقيقية إلى الحرية.

أزمة فهم السلطة

لقد غيّر النظام الإيراني منطق حكمه، لكن كثيراً من المحللين السياسيين يتجاهلون أبعاد هذا التحول، بما في ذلك أبعاده الأمنية والاقتصادية، فيفسّرون كلّ مؤشر على التراجع بأنه ضعف أو انهيار. بينما الواقع هو أنّ النظام، في قلب هذه الضعف الظاهري، ابتكر آلية جديدة للبقاء تقوم على التذبذب بين القسوة والتسامح.

النظام اليوم لا يُدار بالانضباط الصارم كما في الماضي، بل بسلوك مرن ومتناقض تتكامل فيه خطوات التراجع والتقدّم. ويمكن اعتبار هذا التغيير شكلاً من "التعلّم المؤسسي"، إذ أدرك النظام أن بقاءه لا يقوم على السيطرة المطلقة، بل على قدرته على ضبط مستوى الحرية وشدّة القمع.

لذلك، إذا اعتبرنا ضعف النظام الإيراني أو عدم تطبيقه للقانون مؤشراً على الانهيار، نكون قد فشلنا في فهم آلياته الجديدة. فالنظام خلق بدائل لتغطية ضعفه، واستراتيجيات لإعادة بناء شرعيته والتحكم في المجتمع أثناء الأزمات.

في إيران اليوم، لم يعد النظام يُرسّخ سلطته عبر إغلاق الأبواب بالكامل، بل عبر إبقائها نصف مفتوحة. الانفراجات الشكلية والتشدد المتزامن هما وجهان لعملة واحدة في منطق هذا النظام السياسي. فهم هذا المنطق ضروري لأي تحليل سياسي، لأنّه وحده يوضح أنّ "الضعف" ليس دوماً مقدّمة "السقوط"؛ بل قد يكون أحياناً استراتيجية جديدة للبقاء.

النفط الإيراني الرخيص... حريق في ثروة الشعب الإيراني

30 أكتوبر 2025، 10:09 غرينتش+0
•
سميرة قرائي

إن الزيادة غير المسبوقة في الخصومات التي تمنحها طهران للصين عند بيع النفط تُعدّ مؤشراً جديداً على هشاشة وضع النظام الإيراني في سوق الطاقة العالمية.

فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تبدّل ميزان سوق النفط الدولي بالكامل، وتحولت المنافسة على بيع النفط الرخيص في آسيا إلى ساحة جديدة من التوتر الجيوسياسي بين إيران وروسيا والغرب.

ووفقاً لتقارير من مصادر تجارية، وصلت خصومات النفط الإيراني الخفيف عن سعر خام برنت في السوق الصينية إلى أكثر من 8 دولارات للبرميل، بل نزلت في بعض الصفقات إلى 10 دولارات- وهو أكبر فارق سعري منذ أكثر من عام. والمعنى واضح: إيران تضطر لبيع نفطها بأرخص الأسعار كي تجد من يشتريه.

لكن ما جذور هذا الوضع؟

من جهة، أدت العقوبات الأميركية والأوروبية المشددة على كل من روسيا وإيران إلى تقليص وصول البلدين إلى الأسواق الرسمية. ومن جهة أخرى، فإن المصافي الصينية المستقلة- وهي أكبر مشترٍ للنفط المخفض- تواجه نقصاً في تراخيص الاستيراد بسبب القيود الصارمة التي تفرضها بكين. هذا التباين بين وفرة المعروض وضعف الطلب جعل الأسعار تهبط وأربك السوق.

وعلى الرغم من أن إيران وروسيا تبدوان في جبهة واحدة ضد الغرب، فإنهما في الواقع دخلتا في منافسة مباشرة على السوق الصينية. فبعد حظر الغرب واردات النفط الروسي، سارعت موسكو إلى دخول الأسواق الشرقية وقدّمت خصومات مشابهة لتلك التي اعتادت طهران عرضها، ما ضيّق الخناق على الحصة الإيرانية في الصين.

وخلال العقد الماضي، أصبحت الصين الوجهة الثابتة تقريباً لنفط إيران، حيث يتم الجزء الأكبر من الصادرات عبر صفقات رمادية وباستخدام وسطاء وسفن خاصة.

وقد لعبت المصافي الصينية الصغيرة والمتوسطة، المعروفة باسم "تي ‌بات‌"، دوراً محورياً في هذه التجارة. لكن هذه المصافي باتت اليوم أكثر حذراً بفعل الضغوط والعقوبات الأميركية، إذ فرضت واشنطن في الأشهر الأخيرة عقوبات على عدد من المصافي والموانئ والسفن الصينية لمشاركتها في شراء النفط الإيراني، ما دفع العديد من المشترين المحتملين إلى التريث ومراقبة اتجاه السياسات الأميركية والصينية تجاه طهران.

وتُظهر البيانات أن واردات الصين من النفط الإيراني تراجعت في سبتمبر (أيلول) إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً- وهو أدنى مستوى منذ مايو (أيار)- وتشكل هذه الكمية حوالي 14 في المائة من إجمالي واردات النفط الصينية. لكن استمرار هذا التراجع ينذر بخطر اقتصادي كبير على طهران، خصوصاً إذا لم تصدر الحكومة الصينية حصص استيراد جديدة.

اقتصادياً، قد تبدو خصومات تتراوح بين 8 و10 دولارات للبرميل مجرد أرقام بسيطة، لكنها في ظل صادرات تفوق مليون برميل يومياً، تعني خسائر بعشرات ملايين الدولارات يومياً- وهي أموال تحتاجها طهران بشدة لتغطية نفقاتها العامة ودفع رواتب موظفيها والحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

غير أن المسألة تتجاوز الجانب المالي. فالخصومات الكبيرة تعكس ضعف قدرة إيران على التفاوض في سوق كانت تُعدّ يوماً إحدى أدوات نفوذها السياسي. ففي مرحلة العقوبات السابقة عام 2012، قبل الاتفاق النووي، اضطرت طهران أيضاً إلى بيع نفطها للصين بأسعار منخفضة مقابل الحصول على سلع وخدمات، وها هو التاريخ يعيد نفسه بشكل أكثر تعقيداً.

ففي الماضي، لم تكن روسيا في مواجهة مع الغرب، أما اليوم فهي منافس مباشر لإيران في بيع النفط الرخيص. بمعنى آخر، الشريك الاستراتيجي المفترض في مواجهة العقوبات الغربية أصبح خصماً تجارياً يستفيد من المأزق الإيراني.

سياسياً، هذا الوضع يعمّق تبعية إيران للصين، التي باتت في موقع يتيح لها فرض الأسعار وشروط الدفع وحتى توقيت التسويات. وبينما تحاول طهران تصوير علاقاتها مع بكين على أنها "استراتيجية"، تكشف الوقائع أن ميزان القوة يميل بالكامل لصالح الصين، وأن إيران مضطرة لتقديم تنازلات اقتصادية متكررة.

وفي النهاية، لا تمثل خصومات النفط الإيرانية مجرد نتيجة للعقوبات، بل علامة على تغيّر عميق في موازين القوة داخل سوق الطاقة الآسيوية. فإيران، التي تعتمد على نفطها أكثر من أي وقت مضى، تبيعه اليوم بأرخص الأسعار، ليغدو المورد الوحيد الذي يُفترض أن يمنحها القوة الاقتصادية والسياسية، سبباً في إضعافها، في سوق لا يتردد حتى "الحلفاء" الظاهريون في استغلال أزماتها لشراء نفطها بأبخس الأثمان.

روحاني في مرمى صراع السلطة داخل إيران.. عودة أم نهاية؟

29 أكتوبر 2025، 12:07 غرينتش+0
•
بهروز توراني

الرئيس الذي وقف يومًا منتصرًا بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، بات اليوم هدفًا لهجوم شرس من المحافظين المتشددين، من دون أي دفاع علني، في مشهد يجسّد مدى التحول الذي شهدته السياسة والمجتمع في إيران خلال العقد الأخير.

يتعرض الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني لهجمات متزامنة من نواب متشددين في البرلمان، وقادة في الحرس الثوري، ووسائل إعلام مقربة من النظام. وحتى بعض الشخصيات المحسوبة على المرشد الإيراني علي خامنئي تبدو منخرطة في حملة صامتة تهدف إلى تهميشه.

ورغم أن المزاج العام في شبكات التواصل الاجتماعي يميل إلى تأييد روحاني، فإن الدعم الشعبي الفعلي غائب. فالأصوات المدافعة عنه تقتصر على مساعديه السابقين، لا على جمهور أوسع.

ينبع جانب كبير من هذا العداء من تصريحات روحاني الأخيرة التي تضمّنت انتقادات مبطنة لسياسة طهران الخارجية، خصوصًا ما يُعرف بعقيدة "التوجّه شرقًا"، فضلًا عن عودته الملحوظة إلى الساحة العامة منذ انتهاء الحرب التي استمرت 12 يومًا، وهي فترة تزامنت مع تراجع ظهور خامنئي في المشهد العام.

ويعتقد كثيرون في طهران أن روحاني يسعى إلى تهيئة موقع لنفسه في مرحلة الفراغ المحتمل الذي قد يخلفه رحيل المرشد البالغ من العمر 87 عامًا.

تاريخ من التوتر مع الحرس الثوري

خلال الأسبوع الماضي، شنّ كل من القائد الأسبق للحرس الثوري محمد علي جعفري، وأمين مجلس الأمن القومي الأسبق علي شمخاني، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف– وهو بدوره قائد سابق في الحرس الثوري– هجمات علنية على روحاني.

وتعود علاقته المتوترة بالحرس الثوري إلى فترة رئاسته. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2014، وصف روحاني الحرس بأنه "حكومة تمتلك السلاح، ووسائل الإعلام، والسجون، وجهاز استخبارات خاصًا، وإمبراطورية اقتصادية ضخمة"، محذرًا من أن تركّز هذا القدر من السلطة يمكن أن يفضي إلى الفساد.

وجاء الرد سريعًا: فقد وُجهت إلى شقيقه تهم بالفساد المالي، وحوكم وسُجن – رغم أنه شوهد مرارًا خارج السجن – ما وجّه ضربة إلى مصداقية روحاني.

إحياء الخصومات القديمة

هزم روحاني مرشحين محافظين ومتشدّدين في الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2017 بخطاب هجومي حاد، ولم يغفر له خصومه ذلك. وكان قاليباف من بين هؤلاء المنافسين في المرتين.

ففي مناظرات عام 2013، وجّه له روحاني اتهامات علنية بتلقي أموال انتخابية من مهربي المخدرات ودعم قمع احتجاجات الطلبة عام 1999، ما أدى إلى إحراجه أمام الرأي العام. وفي عام 2017، اضطر قاليباف إلى الانسحاب من السباق الرئاسي بضغط من المحافظين لدعم إبراهيم رئيسي – وهي خطوة لم تنجح في إيصال الأخير إلى الرئاسة آنذاك.

هذه الخصومة القديمة عادت إلى الواجهة اليوم داخل البرلمان، حيث يتصدر قاليباف الهجوم على روحاني، وإن كان يستخدم نبرة أكثر توازنًا، بينما يتولى المتشددون الآخرون توجيه الضربات المباشرة.

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول)، دعا نائبان متشدّدان هما أمير حسين ثابت وحميد رسائي إلى محاكمة روحاني وسجنه. ورغم أن مثل هذه المطالب ليست جديدة، فإن ثابت ذهب أبعد من ذلك، زاعمًا أن روحاني يسعى إلى "موقع أعلى" – في إشارة واضحة إلى طموحه المزعوم في خلافة خامنئي.

مرشح محتمل؟

يبقى روحاني شخصية فريدة بين رجال الدين الإيرانيين؛ فهو يمتلك مؤهلات أكاديمية حقيقية، ويتحدث ببلاغة، وله خلفية ثورية قديمة. وقليلون من رجال الدين يجمعون بين مكانته الدينية والسياسية بهذه الصورة.

ولهذا السبب، ليس من الصعب فهم رغبة خامنئي وابنه مجتبى – الذي يتكرر اسمه كثيرًا في أحاديث الخلافة – في إضعاف روحاني.

لا توجد أدلة على تورط مكتب المرشد مباشرة في هذه الحملة المنسقة ضد روحاني، إلا أن خامنئي سبق أن وبّخه علنًا عندما دعا الرئيس الأسبق إلى إجراء استفتاء لاستعادة صلاحيات الرئاسة.

سقوط من القمة

تكمن نقطة ضعف روحاني الكبرى في فقدانه ثقة الشارع. فقد ضلل الرأي العام بشأن إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية بصواريخ الحرس الثوري عام 2020، ووافق على قمع الاحتجاجات السلمية في 2019.

في مظهره وأسلوبه، يحاكي روحاني آية ‌الله محمد بهشتي، رئيس السلطة القضائية السابق الذي قُتل في تفجير عام 1981. ودائمًا ما يظهر بهيئة أنيقة ولحية بيضاء مشذّبة، ما يمنحه مظهر الانضباط والاتزان. وهو ربما الشخصية الوحيدة في المعسكر المعتدل التي تمتلك سجلًا أمنيًا جادًا.

ومع تصاعد الضغوط عليه، يتساءل كثيرون في طهران عمّا إذا كانت هذه الحملة ستنتهي بخير له أو للنظام نفسه.

فحال روحاني اليوم يشبه قصة الرجل الذي سقط من ناطحة سحاب. وحين سُئل وهو في منتصف الطريق إلى الأرض كيف تسير الأمور، أجاب: "حتى الآن، كل شيء على ما يرام".

فائزة هاشمي تتهم خامنئي: لم يستطيعوا إسكات رفسنجاني فقرّروا تصفيته

29 أكتوبر 2025، 09:24 غرينتش+0
•
مراد ويسي

في تصريح غير مسبوق، وجّهت فائزة هاشمي، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، اتهامًا مباشرًا إلى علي خامنئي بالوقوف وراء مقتل والدها.

ومع تصاعد الجدل حول الخلافات بين الرئيس الأسبق حسن روحاني وخامنئي بشأن إدارة النظام الإيراني، عاد الحديث مجددًا عن ملف الوفاة المشبوهة لرفسنجاني.

تشير الشواهد والقرائن إلى أن وفاة رفسنجاني لم تكن طبيعية، بل عملية تصفية سياسية داخلية على أعلى مستويات السلطة في النظام الإيراني.

فائزة، الابنة الصغرى لرفسنجاني، قالت في حديثها الأخير: "لأنهم لم يتمكنوا من إسكات والدي أو سجنه، قرروا التخلص منه".

وعلى مدى السنوات الماضية، أكّد أفراد عائلة رفسنجاني مرارًا أن وفاته كانت غامضة. فبينما تحدث ابنه الأكبر محسن بحذر عن "وجود غموض"، التزم مهدي وياسر الصمت في الغالب. أما ابنتاه فاطمة وفائزة، فقد عبّرتا بوضوح عن اعتقادهما بأن خامنئي أمر بتصفيته، وإن تجنبتا ذكر اسمه صراحة.

ويرى كثيرون أن هذا الملف لن يُغلق قريبًا، بل قد تُكشف حقيقته فقط بعد سقوط النظام الإيراني، حين يُعرف ما الذي جرى تحديدًا في مساء 8 يناير (كانون الثاني) 2017، داخل ذلك المسبح الذي شهد وفاة رفسنجاني.

بعد تصريحات فائزة الأخيرة، أعدتُ مراجعة جميع الشواهد؛ من تاريخ الوفاة إلى خطاب خامنئي في صباح اليوم نفسه الذي ألقاه أمام حشد من أهالي قم. كنت أعلم أن خامنئي تحدث في ذلك الخطاب عن "الأعداء الخارجيين والداخليين"، لكنني أعدت قراءة النص الكامل لأفهم السياق العام الذي سبق وفاة رفسنجاني بساعات قليلة.

في خطابه آنذاك، أكد خامنئي مرارًا أن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل هم أعداء النظام الإيراني، قبل أن ينتقل فجأة إلى الحديث عن "العدو الداخلي".

في هذا السياق، وردت جملة لافتة يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم ما جرى، إذ قال خامنئي بالحرف: "إذا أصبح بدلاً من الشيطان الأكبر الحقيقي، أحدُ إخواننا الفاسدين أو المنحرفين، شيطاننا الأكبر، فسنُصاب بضربة. فليكن واضحًا أن هذا أيضًا عدوّنا".

هذه العبارة، كما يقول الكاتب، قد تكون إشارة رمزية أو كلمة سر لتنفيذ قرار تم اتخاذه مسبقًا. فقد استخدم خامنئي كلمات محددة: "أكبر"، "أخ"، و"عدو"- وهي مصطلحات ترتبط مباشرة باسم أكبر هاشمي رفسنجاني.

ويرجّح الكاتب أن الأجهزة الأمنية كانت تنتظر صدور هذه الإشارة من فم خامنئي لتعتبرها الأمر النهائي بتنفيذ الاغتيال.

بعد ساعات قليلة من الخطاب، ذهب رفسنجاني إلى المسبح وفق جدول نشاطه اليومي، وهناك توفي في ظروف غامضة. وتشير تقارير إلى أن حراسه تأخروا في إخراجه من الماء ونقله إلى المستشفى، ما يزيد من الشكوك حول تورط رسمي في الحادثة.

ومن دون ضوء أخضر من خامنئي، من المستبعد أن يجرؤ أي جهاز- سواء وزارة الاستخبارات أو استخبارات الحرس الثوري- على تنفيذ مثل هذا العمل ضد شخصية بوزن رفسنجاني.

والاحتمال الأقرب هو أن القرار جاء مباشرة من خامنئي، وأن تلك العبارة في خطابه كانت بمثابة رمز تشفيرٍ لإعطاء الإذن بالتنفيذ.

النقطة الثالثة التي يكشفها تحليل الخطاب هي أن خامنئي اتهم "الأعداء الداخليين" بمحاولة إضعاف الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور.

في ذلك الوقت، كان رفسنجاني قد وجّه انتقادات علنية شديدة لهذين المؤسستين، خاصة بعد رفض مجلس صيانة الدستور ترشح حسن الخميني لعضوية مجلس الخبراء. تلك الانتقادات فُسرت حينها على أنها تحدٍ مباشر لخامنئي نفسه.

وقد يكون هذا التمرد العلني من رفسنجاني هو ما دفع خامنئي إلى اتخاذ قرار "الحذف النهائي".

اليوم، وبعد مرور أعوام على وفاته، يبدو أن خامنئي لم يعد قادراً على السيطرة على الصراعات الداخلية داخل النظام. فابتعاده عن المشهد العام وصعوبة الوصول إليه أدّيا إلى تصاعد حرب النفوذ بين أجنحة السلطة.

وإذا كانت هذه الفوضى موجودة وخامنئي لا يزال على قيد الحياة، فإن غيابه المحتمل سيُفجّر صراعًا أعنف قد يصل إلى عمليات تصفية جسدية متبادلة بين كبار المسؤولين مثل محمد باقر قاليباف، وحسن روحاني، ومحمد جواد ظريف، وقادة الحرس الثوري.

ومع أن هذه الصراعات تُضعف النظام، فإنها من جهة أخرى تكشف للشعب الإيراني زيف الخطاب الديني والأخلاقي للسلطة، وتوضح أن الصراع الحقيقي يدور حول المال والنفوذ، لا المبادئ ولا خدمة الناس.

كما أن الوفيات الغامضة لأشخاص مثل أحمد الخميني وهاشمي رفسنجاني تشير إلى أن التصفيات الداخلية قد تتكرر كلما اشتدت المنافسة على السلطة في قمة النظام الإيراني.

أفول نفوذ إيران في العراق: من الارتباط الأيديولوجي إلى البرغماتية الوطنية

28 أكتوبر 2025، 15:15 غرينتش+0
•
كاميار بهرنك

في الوقت الذي يستعد فيه العراق لإجراء الانتخابات البرلمانية، تشهد الساحة السياسية في البلاد تحولًا جذريًا. فقد بدأ الابتعاد عن نفوذ إيران والتحول نحو سياسةٍ وطنيةٍ برغماتية يصبح السمة الأبرز للمشهد السياسي الراهن.

لم يَعُد المرشحون الجدد في العراق يرغبون في التنافس تحت ظل طهران، حتى الفصائل الشيعية التقليدية، التي كانت يومًا من أقرب حلفاء الحرس الثوري الإيراني، ترفع اليوم شعار "الحياد" تجاه إيران والولايات المتحدة كأحد محاور برامجها الانتخابية.

الحياد تجاه واشنطن كان في السابق من عناصر الخطاب الشيعي، لكن حين يصبح الحياد تجاه إيران وأميركا معًا، فهذا مؤشر واضح على أن العراق يستعد لمرحلة جديدة.

هذا التحول هو نتيجة عقدين من التجارب المريرة؛ إذ إن النفوذ السياسي والعسكري الإيراني، الذي ترسّخ نسبيًا بعد سقوط صدام حسين، خلّف وراءه صورةً سلبيةً بسبب الفساد والطائفية والارتهان للاقتصاد النفطي.

اليوم، لم يعد الرأي العام العراقي يرى في إيران قوة داعمة أو حليفة، بل يعتبرها عاملًا من عوامل التدخل وعدم الاستقرار.

تراجع الدور الإقليمي لإيران

الهزائم الإقليمية المتتالية لإيران في ساحاتٍ عدة- من تراجع نفوذ حزب الله في لبنان إلى ضعف الحوثيين في اليمن وتدمير البنى العسكرية الإيرانية في سوريا- ألحقت ضررًا بالغًا بصورة طهران كقوةٍ إقليمية، وحوّلت أسطورة نفوذها إلى سرديةٍ متداعية.

في هذا السياق، يسعى العراق لاستعادة استقلاله السياسي. جيلٌ جديد من السياسيين العراقيين، من العلمانيين إلى المتدينين البرغماتيين، يحاولون إخراج السياسة الخارجية من عباءة الأيديولوجيا، وجعل المصلحة الوطنية محور القرار السياسي.

بعبارة أخرى، ينتقل العراق من مرحلة "الطاعة لطهران" إلى مرحلة "الاستقلال السياسي".

من النفوذ العسكري إلى المساومة السياسية

يرافق هذا التحول السياسي تراجعٌ ملموس في بنية النفوذ الإيراني داخل العراق، أبرزها تفكك شبكة ميليشيات الحشد الشعبي، ودخول قادتها إلى الانتخابات بوصفهم سياسيين بعد تراجع دورهم العسكري.

كان نموذج نفوذ إيران قائمًا على ما يُعرف بـ"حزب اللهنة"- أي إنشاء جماعاتٍ مسلحة موالية لطهران يمكنها تجاوز الدولة أو السيطرة عليها عند الحاجة.

لكن الحشد الشعبي، الذي كان من المفترض أن يكون النموذج الأنجح لهذا النمط، يواجه اليوم أزمة وجودية. ووفقًا لتقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، فإن من أصل 238 ألف مقاتل تدّعي إيران تبعيتهم للحشد، لا يتجاوز العدد الحقيقي 48 ألفًا، فيما البقية "جنود وهميون".

أدّى الفساد المستشري والسخط الشعبي إلى تآكل شرعية الحشد الشعبي، ولم تعد طهران قادرة على الاعتماد عليه كذراعٍ عسكرية موثوقة. وبذلك اضطرت إيران إلى الانتقال من الميدان العسكري إلى الساحة السياسية.

قادة الميليشيات، مثل فالح الفياض، أحمد الأسدي، هادي العامري، قيس الخزعلي وعمار الحكيم، يخوضون الانتخابات بلوائح منفصلة، بعد أن فقدوا وحدتهم السابقة تحت المظلة الإيرانية.

استراتيجيًا، يمثّل هذا التحول انكماشًا في نفوذ إيران؛ فالحرس الثوري الذي كان يفرض معادلات بغداد عبر القوة، يجد نفسه اليوم مضطرًا للتفاوض والمنافسة الانتخابية بدلًا من فرض الأمر الواقع.

هذا التحول لا يُعدّ مؤشر قوة، بل علامة ضعف واضحة: فإيران لم تَعُد "قائدًا" في العراق، بل مساوِمًا سياسيًا.

في الوقت نفسه، تقف الضغوط الأميركية والانقسامات الداخلية حاجزًا أمام إضفاء الطابع الرسمي على الحشد الشعبي ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما دفع السياسيين المقربين من طهران إلى تجنّب الإعلان العلني عن تبعيتهم لها.

في العراق الجديد، أي ارتباطٍ ظاهر مع إيران أصبح عبئًا سياسيًا لا ورقة رابحة.

شرق أوسط جديد بلا قيادة مزعزعة للاستقرار

في السنوات التي بلغت فيها إيران ذروة نفوذها الإقليمي، كان قاسم سليماني يُعدّ مهندس هذا النفوذ، باعتباره القائد الميداني وصاحب القرار في السياسة الخارجية.

يروي الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية الأسبق في العراق، أن الرئيس العراقي آنذاك أبلغه رسالة من سليماني جاء فيها: "قل لبترايوس إنني، قاسم سليماني، من يحدد سياسة إيران في العراق، وسوريا، وأفغانستان، وغزة. إذا أردت حلّ أزمة البصرة، فعليك أن تتفاوض معي، لا مع الدبلوماسيين".

تكشف هذه الرواية كيف كان سليماني يرى نفسه صانع القرار الأول في المنطقة. لكن ذلك العصر انتهى تمامًا.

فالشبكة الواسعة من الميليشيات التي أنشأها سليماني من المتوسط إلى الخليج تآكلت؛ ولم يبقَ من إرثه سوى الانقسام والإنهاك الاقتصادي والعزلة السياسية لإيران.

اليوم، لم يَعُد هناك ما يُعرف بـ"الهلال الشيعي"، ولا بريق لنفوذ سليماني الميداني؛ فقد انهار كل ما بناه مع تغيّر موازين القوى وصعود الهوية الوطنية في بلدان المنطقة.

2025: عراق جديد وهوية مستقلة

تشير تحولات العراق عام 2025 إلى بداية مرحلة جديدة في نظام الشرق الأوسط. حيث إن إيران، التي أنفقت أموالًا طائلة لبناء "هلالها الشيعي" الممتد من طهران إلى البحر المتوسط، تواجه الآن تراجعًا في كل محور نفوذها.

في لبنان، يزداد حزب الله عزلةً يومًا بعد يوم.
وفي سوريا، سقط بشار الأسد.

وفي غزة، تتجه حماس نحو نزع سلاحها.

وفي الضفة الغربية، تُخمد القوى الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى.

أما في اليمن، فـ"أنصار الله" (الحوثيون) لم يعودوا قادرين على شن الهجمات كما في السابق.
وفي ظل هذه التراجعات، حتى لو تمكّنت إيران من الاحتفاظ بجزء من حضورها السياسي في العراق، فلن يكون لذلك وزن النفوذ السابق.

فالعراق اليوم يسير نحو هوية وطنية مستقلة، وإيران تفقد آخر حلقة من سلسلة نفوذها الإقليمي.