وأظهرت الرسائل التي تلقّتها "إيران إنترناشيونال"، إلى جانب التعليقات المنشورة على منصتي "إكس" و"إنستغرام"، أن غالبية الإيرانيين لا يبدون حماسة لتصعيد عسكري بقدر ما يعكسون شعورًا بالإرهاق بعد ما يقرب من أربعة أشهر من الصراع. ووصف كثيرون حياتهم بأنها في حالة «لا حرب ولا سلام»، حتى إنهم باتوا عاجزين عن اتخاذ قرارات قصيرة الأمد بشأن حياتهم اليومية.
ضغوط معيشية وقلق دائم
تحدث المشاركون عن تزايد الضغوط الاقتصادية، واستمرار القلق، وتشديد الإجراءات الأمنية، في وقت تبادلت فيه الولايات المتحدة وإيران جولة جديدة من الهجمات يومي الأربعاء والخميس، ما زاد الشكوك حول مستقبل الاتفاق المؤقت الذي أنهى الحرب.
وكان الجيش الأميركي قد أعلن استهداف نحو 90 موقعًا داخل إيران، بعدما أعلن ترامب أن التفاهم المؤقت مع طهران «انتهى بالنسبة له»، مبررًا ذلك بالهجمات الإيرانية على الملاحة في مضيق هرمز.
وردّت إيران بضرب أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في قطر والبحرين والكويت، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك الاتفاق المؤقت.
وأوضحت "البنتاغون" أن الضربات استهدفت مواقع عسكرية إيرانية مرتبطة بالهجمات على السفن التجارية.
وفي المقابل، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الضربات الأميركية أصابت بنى تحتية مدنية، من بينها جسران للسكك الحديدية على الطريق المؤدي إلى مدينة "مشهد"، حيث كانت السلطات تستعد لدفن المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي.
كما أفادت وكالة "فارس" بأن أحد الجسرين هو جسر "آق تكة خان" في محافظة غلستان، وهو جزء من الممر الشمالي التجاري المؤدي إلى الصين وروسيا، الذي ازدادت أهميته بعد الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.
كما أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة استهدفت مستودعات للصواريخ على الطريق المؤدي إلى محافظة بوشهر جنوب إيران، وأظهرت مقاطع مصورة أُرسلت إلى "إيران إنترناشيونال" تصاعد أعمدة الدخان الأسود من مواقع الانفجارات.
الضربات تزامنت مع جنازة خامنئي
ربط كثير من الإيرانيين توقيت الضربات بمراسم تشييع ودفن خامنئي، معتبرين أنها أربكت ما كانت السلطات تحاول تقديمه باعتباره استعراضًا للوحدة والاستمرارية السياسية.
وكتب أحد المواطنين: «آمل أن تُحدث هذه الحرب هذه المرة فرقًا، وأن يُستأصل هذا السرطان من جذوره. فنحن جميعًا نعاني".
ورأى آخرون أن تشديد ترامب لهجته يعكس وصول المسار الدبلوماسي مع طهران إلى طريق مسدود.
وجاء في إحدى الرسائل: «هل نقول لترامب: ألم نقل لك؟ أم أن الوقت لا يزال مبكرًا؟».
وكتب آخر: «يبدو أن السيد ترامب أدرك أخيرًا طبيعة الكائن الذي يتعامل معه".
كما دعا عدد من الإيرانيين ترامب إلى عدم العودة إلى طاولة المفاوضات.
وجاء في إحدى الرسائل: «السيد ترامب، والسيد نتنياهو، وقادة الناتو، هل أدركتم الآن أن التفاوض مع النظام الإيراني مضيعة للوقت؟».
وكتب أحد سكان طهران: «سيد ترامب، تقول إن أيامًا سيئة تنتظر إيران. تعالَ إلى هنا ليوم واحد فقط، وإن وجدت يومًا جيدًا واحدًا في ظل هذا النظام، فسترى الجحيم الذي صنعه للشعب".
أمل مشوب بالخوف
رغم ترحيب بعض الإيرانيين بابتعاد ترامب عن خيار التفاوض، فإن كثيرين أعربوا عن خشيتهم من حرب طويلة تستنزف البلاد اقتصاديًا دون أن تحقق تغييرًا سياسيًا حقيقيًا.
وكتب أحدهم: «سيد ترامب، أرجوك توقف. لم نعد نعرف هل نقلق من الحرب، أم التضخم، أم سعر الدولار، أم مستقبلنا"
وقال آخر: «أخشى فقط أن تعود الحرب من جديد من دون أن يتغير شيء. وإذا كانت الحرب حتمية، فأتمنى أن تكون في مصلحة الشعب الإيراني".
في المقابل، دعا بعض المستخدمين إلى تصعيد عسكري أكبر.
وجاء في إحدى الرسائل: «سيادة الرئيس ترامب، أرجوك أنجز المهمة سريعًا. أيها الشعب، لا تفقدوا الأمل، فموعد حريتنا بات قريبًا".
وأضاف آخر: «أنا من مؤيدي ترامب وأحبه. إنه قوة عظمى لا يستطيع أحد تحديها، لكنه أحيانًا يتراجع عن مواقفه. أرجوك، سيدي الرئيس، أنجز المهمة هذه المرة، فمن الصعب أن تعيش في بلدك تحت حكم مجموعة من المجرمين".
لكن آخرين ظلوا متشككين، معتبرين أن ميل ترامب السابق إلى التفاوض يجعل من الصعب الجزم بأن الضربات الأخيرة ستقود إلى تغيير دائم.
«محمد... شيء ما» يتحول إلى سخرية واسعة
أثارت تصريحات ترامب أيضًا موجة من السخرية، بعدما أشار إلى كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، بعبارة «محمد... شيء ما»، خلال حديثه عن مراقبة الولايات المتحدة للمنشآت النووية الإيرانية.
وسرعان ما تحولت العبارة إلى واحدة من أكثر النكات تداولًا بين المستخدمين الناطقين بالفارسية على منصة "إكس"، وظهرت عشرات الصور الساخرة التي استهدفت كبار المسؤولين الإيرانيين.
وكتب المستخدم أمين بروين: «نحن نعيش في حالة لا حرب، ولا سلام، ولا وقف إطلاق نار... و(محمد شيء ما)".
وكتب آخر: «محمد شيء ما، ومجتبى (خامنئي) لا شيء. لقد أصبحتم أضحوكة العالم".
كما سخر كثيرون من قاليباف مباشرة، فكتب أحدهم: «يا محمد شيء ما، اكتب وصيتك. ترامب لم يكلف نفسه حتى عناء حفظ اسم عائلتك".
وكتب آخر: «محمد شيء ما... يبدو أن الدور جاء عليك هذه المرة".
كيف يقرأ الإيرانيون استراتيجية ترامب؟
بعيدًا عن السخرية، انشغل مستخدمو وسائل التواصل بتحليل ما إذا كانت لهجة ترامب الجديدة تعني التخلي عن الدبلوماسية، أم أنها مجرد أسلوب تفاوضي يهدف إلى انتزاع تنازلات من طهران.
وكتب أحد المستخدمين: «ترامب يلعب معهم لعبة القط والفأر. لا يريد حربًا شاملة في الوقت الحالي، بل ينتظر ردهم قبل أن يقرر خطوته التالية".
وقال آخر: «أنا سعيد حقًا لأن ترامب بدأ أخيرًا يرى حقيقتهم".
في المقابل، رأى آخرون أن ترامب لا يزال يفضّل التوصل إلى اتفاق، لكنه يعتبر الضغط العسكري وسيلته الرئيسية لتحقيق ذلك.
وكتب أحد المستخدمين: «ترامب يحب أن يقول إنه هزمهم دون حرب، لذلك يحاول نزع سلاحهم عبر المفاوضات. لكن ملفهم انتهى، وقد قال بنفسه إنهم سيفقدون اليورانيوم، سواء عبر التفاوض أو عبر الحرب".