ووفقًا لهذه المعلومات، فإن القوات الخاصة، التي نشرها الحرس على امتداد السواحل الخليجية مزودة بمنظومات متنوعة لجمع المعلومات، تشمل نقاط مراقبة برية، ومعدات بحرية، ومنظومات جوية، وقد كُلِّفت مؤخرًا بمهمة رصد أي سفينة تعتزم عبور المسار الجنوبي لمضيق هرمز مسبقًا، وإصدار التحذيرات بشأنها.
كما تُظهر هذه المعلومات السرية أن عناصر الحرس الثوري يوسعون عمليات جمع المعلومات من مصادر وعناصر عُمانية، بهدف الاطلاع مسبقًا على ترتيبات وتوقيتات عبور السفن عبر المسار الجنوبي لمضيق هرمز، والحصول على التحذيرات اللازمة.
وكان الحرس الثوري قد أعلن أن المسارات الوحيدة المسموح بها للعبور في مضيق هرمز هي تلك التي تحددها إيران، وحذر السفن الدولية من استخدام الممر الجنوبي للمضيق، الذي يمر عبر المياه القريبة من السواحل العُمانية، والذي توصي سلطنة عُمان والمنظمة الدولية البحرية باستخدامه.
ويأتي نشر شبكة الرصد والاستطلاع التابعة للحرس الثوري، وسعيه للحصول على معلومات عن حركة السفن عبر مصادر عُمانية، في وقت توصلت فيه واشنطن وطهران، بعد عدة جولات من تبادل إطلاق النار، يوم الأحد 28 يونيو (حزيران) الماضي، إلى اتفاق مؤقت لتهدئة الأوضاع في مضيق هرمز لمدة أسبوع، فيما تتواصل المفاوضات بين الطرفين في الدوحة على أساس مقترح جديد قدمته سلطنة عُمان.
وتُظهر المعلومات الجديدة أن إيران، بالتزامن مع جلوسها إلى طاولة المفاوضات، تعمل على تعزيز سلسلة الرصد والإنذار الخاصة بالسفن التي لا تعبر عبر المسار الذي توافق عليه طهران، وهو المسار الذي يشكل محور الخلاف الحالي بين طهران وواشنطن.
الهجوم على سفينة سنغافورية.. مؤشرات على تتبع استخباراتي
يتوافق نمط الهجوم الذي شنه الحرس الثوري الأسبوع الماضي على سفينة تجارية كانت تعبر المسار الجنوبي مع المهمة الجديدة الموكلة إلى هذه القوات.
ففي يوم الخميس 25 يونيو الماضي، استهدفت قوات الحرس الثوري سفينة شحن ترفع علم سنغافورة في مضيق هرمز، بالقرب من السواحل العُمانية. ووفقًا لـمنظمة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، تسبب الهجوم في أضرار بجسر قيادة السفينة، دون وقوع إصابات، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من تحذير البحرية التابعة للحرس الثوري من استخدام المسارات غير المعتمدة.
وفي اليوم التالي، الجمعة 26 يونيو، استهدفت مقاتلات أميركية مستودعات صواريخ وطائرات مسيّرة ومواقع رادار ساحلية إيرانية، فيما ردت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري بمهاجمة مواقع انتشار القوات الأميركية في المنطقة، وأعلنت، استنادًا إلى البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقّعة في إسلام آباد، أن ترتيبات مراقبة الملاحة في مضيق هرمز تعود إلى إيران.
ثلاثة مسارات متنافسة في ممر مائي واحد
بحسب التقارير، تشكلت حاليًا ثلاثة مسارات مختلفة لعبور مضيق هرمز:
المسار الجنوبي عبر المياه القريبة من سلطنة عُمان، المسار الأوسط الذي كان مستخدمًا قبل الحرب، المسار الشمالي الخاضع لسيطرة إيران.
وتتحمل السفن التي تختار المسارات غير الإيرانية خطر التعرض للاستهداف، بينما تخشى السفن التي تعبر عبر المسار الإيراني من احتمال تعرضها لعقوبات غربية في حال انهيار الاتفاق.
وحذر أحد محللي شركة معلومات الشحن "كبلر"، في حديث مع شبكة "سي إن إن"، من أنه إذا لم تُحل الخلافات بحلول منتصف أغسطس (آب) المقبل، فإن استخدام المسارات الثلاثة سيصبح أكثر اضطرابًا وأقل أمنًا.
وبسبب وجود ألغام بحرية في ممر فصل حركة الملاحة التقليدي الذي حددته المنظمة الدولية البحرية عام 1968، لا يزال المسار الأوسط مغلقًا عمليًا، رغم أن طهران تعهدت، بموجب "مذكرة التفاهم" الخاصة بإنهاء الحرب، بإزالة تلك الألغام خلال 30 يومًا.
ويجري عبور السفن حاليًا عبر مسارين: أحدهما قريب من السواحل العُمانية، والآخر قريب من السواحل الإيرانية، فيما حذرت البحرية الإيرانية السفن من ضرورة العبور فقط إلى جنوب جزيرة "لارك".
الصراع على إدارة المضيق.. سلطنة عُمان في دورين
تكتسب محاولة الحرس الثوري الحصول على معلومات عن عبور السفن عبر مصادر عُمانية أهمية مضاعفة؛ لأن مسقط تؤدي في الوقت نفسه دور الدولة الساحلية المطلة على المسار الجنوبي، ودور الوسيط ومهندس إطار المفاوضات الجارية.
وقال رئيس الوفد المفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، خلال زيارته إلى سلطنة عُمان، في 23 يونيو الماضي، إن إدارة مضيق هرمز لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وإن طهران طرحت خلال محادثاتها مع الصين ومصر مقترحًا لفرض «رسوم خدمات» على السفن، مستلهمة نموذج مضيق الدردنيل.
وفي المقابل، شدد وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، خلال لقائه نظيره الأميركي، ماركو روبيو، في 25 يونيو الماضي، على أن أي آلية محتملة لإدارة المضيق لن تشمل فرض رسوم عبور.
ويقول مسؤولون إيرانيون إن طهران ومسقط تتمتعان بسيادة مشتركة على المضيق، وإنهما ستبدآن، بعد انتهاء مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في "مذكرة التفاهم"، الإدارة المشتركة وفرض رسوم العبور. أما الولايات المتحدة، فتعتبر مضيق هرمز ممرًا مائيًا دوليًا، وترى أن أي آلية جديدة لإدارته تحتاج إلى موافقة الدول الخليجية.
وكان مساعد وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، قد صرح، في وقت سابق، بأن ضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز «غير ممكن دون التنسيق مع إيران»، مضيفًا أنه في حال عدم إجراء هذا التنسيق، فقد يتم تعليق المسارات المحددة.
ممر مائي لم يعد إلى طبيعته
بعد مرور أسبوعين على توقيع "مذكرة التفاهم" المؤلفة من 14 بندًا في إسلام آباد، والتي نصت على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، لا تزال حركة الملاحة في المضيق أقل بكثير من مستوياتها قبل الحرب.
فقد بلغ عدد السفن العابرة في 24 يونيو نحو 70 سفينة، وهو أعلى رقم منذ اندلاع الحرب، في حين كان متوسط عدد السفن التي تعبر المضيق قبل الحرب يقارب 130 سفينة يوميًا.
كما أعلن المدير العام للمنظمة الدولية البحرية أن 14 بحارًا لقوا مصرعهم منذ بداية أزمة مضيق هرمز، وأن المنظمة علّقت مؤقتًا، عقب الهجوم على السفينة السنغافورية، عمليات إجلاء نحو 600 سفينة و11 ألف بحار كانوا عالقين في المنطقة.
ومع ذلك، تُظهر بيانات تتبع السفن أن السفن، رغم تحذيرات طهران، لا تزال تتجه إلى استخدام المسار الجنوبي. كما أعلن مركز المعلومات البحرية المشترك، الخاضع لإشراف البحرية الأميركية، أن الممر القريب من السواحل العُمانية يشهد توسعًا بما يسمح بحركة الملاحة في الاتجاهين.
وفي ظل هذه الظروف، فإن نشر الحرس الثوري قوات خاصة للتعرف مسبقًا على السفن التي تعبر المسار الجنوبي، وسعيه للحصول على معلومات عن حركة السفن عبر مصادر عُمانية، يشيران إلى أن طهران تستعد لفرض سيطرتها على الممر ذاته الذي تعمل واشنطن ومسقط على توسيعه.