لماذا لا يعني انخفاض أسعار النفط نهاية أزمة مضيق هرمز بين أميركا وإيران؟

عاد السعر العالمي للنفط إلى المستويات التي كان عليها قبل اندلاع الحرب في إيران.

عاد السعر العالمي للنفط إلى المستويات التي كان عليها قبل اندلاع الحرب في إيران.
ومع ذلك، فإن هذا الانخفاض لم يكن نتيجة لانتعاش المعروض، بل جاء ثمرة لمجموعة من الإجراءات الطارئة، بما في ذلك سحب النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، واستخدام مسارات تصدير بديلة، والأهم من ذلك كله، تراجع الطلب العالمي.
ووفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فإن الصدمة الشديدة الناجمة عن اضطراب إمدادات النفط من المنطقة الخليجية قد تم تعويضها جزئياً بفضل الفائض الإنتاجي الذي تراكم العام الماضي وفي الأشهر الأولى من عام 2026، بالإضافة إلى سحب الدول الصناعية من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، واستخدام المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لمسارات تصدير تقع خارج مضيق هرمز، فضلاً عن الانخفاض الحاد في الطلب العالمي على النفط، لا سيما من جانب الصين.
ومع ذلك، فإن أبعاد هذا الاضطراب لا تزال واسعة النطاق وعميقة للغاية. فقد انخفض إنتاج النفط في عموم المنطقة الخليجية خلال الأشهر الأخيرة بأكثر من 10 ملايين برميل يومياً، وخسرت السوق في المجمل نحو مليار و300 مليون برميل من النفط المنتج في هذه المنطقة.
تراجع الطلب الصيني
بالتوازي مع ذلك، ومع تباطؤ الأنشطة الاقتصادية، تراجع الطلب العالمي على النفط في الربع الثاني من عام 2026 بمقدار 5.5 مليون برميل يومياً تقريباً.
وخفّضت الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وارداتها النفطية خلال الأشهر الأخيرة بنحو 40 في المائة، ما يعادل قرابة 4.6 مليون برميل يومياً؛ وهو الأمر الذي يعد أحد أهم الأسباب وراء تراجع أسعار النفط.
ورغم ذلك، لا تزال صادرات المنطقة النفطية أقل بنحو 25 في المائة من مستويات شهر فبراير (شباط) الماضي، ومن المتوقع أن تستغرق إعادة طاقة التصدير إلى ما كانت عليه قبل الحرب عدة أشهر.
وفي بعض الحالات، لا سيما بالنسبة لمنشآت الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتضررة في قطر، فإن عملية إعادة الإعمار الكاملة قد تستغرق عدة سنوات.
النفط العائم في البحار
ثمة عامل مؤقت آخر ساهم في تخفيف الضغط عن السوق، وهو مخزونات النفط العائمة في البحار. إذ تخزن إيران وحدها نحو 150 مليون برميل من النفط الخام على متن ناقلات النفط، كما ساعد الإعفاء الذي منحته واشنطن لمدة شهرين لتصدير النفط الإيراني في خفض حدة التوتر في السوق.
ومع ذلك، فإن هذه الاحتياطيات لا تعدو كونها وسادة حماية مؤقتة (ممتصة للصدمات)، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحل محل طاقة الإنتاج المفقودة في المنطقة.
وفي غضون ذلك، لا يزال إنتاج النفط الخام والمكثفات والموائع النفطية الأخرى في منطقة الخليج أدنى بنحو 45 في المائة من مستويات شهر فبراير الماضي. وحتى المملكة العربية السعودية، التي يمكنها تصدير جزء من نفطها عبر خط أنابيب شرق-غرب والبحر الأحمر دون المرور بمضيق هرمز، لا تزال تنتج بمستويات أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم الاضطراب الهائل في السوق.
وإجمالاً، فإن النقص البالغ نحو مليار و300 مليون برميل في إنتاج النفط لم يُعوض إلا جزئياً من خلال سحب أكثر من 300 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الصناعية.
المشكلة مستمرة حتى منتصف 2027 على الأقل
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، يبدو من المستبعد إصلاح الأضرار التي لحقت بسوق النفط العالمية جراء أزمة مضيق هرمز قبل منتصف العام المقبل (2027).
وفي الوقت نفسه، لا تزال المخاطر الجيوسياسية عند مستويات مرتفعة؛ إذ أظهر الهجوم، الذي وقع يوم الخميس 25 يونيو (حزيران) على سفينة تجارية بالقرب من سواحل عُمان، أن أمن الملاحة البحرية لا يزال هشاً رغم إقرار وقف إطلاق النار.
وقد ارتفعت تكلفة الشحن البحري في المياه الواقعة جنوب إيران إلى نحو 5.5 ضعف مستويات ما قبل الحرب، كما زادت أسعار استئجار ناقلات النفط بنحو 9 أضعاف.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على النفط الخام فحسب؛ إذ لا تزال صادرات البتروكيماويات، والمعادن، والأسمدة الكيماوية، والهيليوم، وغيرها من المواد الخام من الدول العربية المطلة على المياه الخليجية تواجه قيوداً صارمة. وهي قيود تؤثر بشكل مباشر على الصناعة، والزراعة، وسلاسل الإمداد، والتجارة العالمية ككل.
وبناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى عودة أسعار النفط إلى نطاق 72 إلى 74 دولاراً كإشارة على انتهاء الأزمة. فهذه الأسعار تعكس واقع سوقٍ تتماسك بالاعتماد على الاحتياطيات الطارئة وتراجع الطلب، وليس سوقاً عادت إمداداتها إلى طبيعتها.
وما لم تعد حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي، ويعود إنتاج النفط في اىمنطقة الخليجية بالكامل، سيظل الاقتصاد العالمي عرضة لصدمات طاقة جديدة وتقلبات حادة في الأسواق.