وبحسب ما أعلنه مسؤولون من الجانبين، من المقرر أن تتوجه وفود إيران والولايات المتحدة إلى جنيف يوم الجمعة 19 يونيو (حزيران) لاستكمال مذكرة التفاهم، التي وُقعت مبدئياً أمس الأحد، والتوقيع عليها رسمياً.
وأعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يوم الاثنين 15 يونيو، أنه من المحتمل أن يُعقد يوم الجمعة في سويسرا لقاء بين رئيسي وفدي التفاوض، وأن تبدأ بعد توقيع مذكرة التفاهم الجولة الأولى من المفاوضات اللاحقة.
وفي الوقت نفسه، قال دبلوماسي مطلع على هذه المفاوضات لشبكة "بي بي إس"، إن مسؤولين إيرانيين وأميركيين سيعقدون اجتماعات تمهيدية في الدوحة قبل مراسم التوقيع المقررة يوم الجمعة المقبل.
ومن جانبه، صرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم الاثنين خلال لقاء إعلامي في فرنسا على هامش قمة "مجموعة السبع" ، بأن نص مذكرة التفاهم «سيُنشر على الأرجح بعد الجمعة بفترة قصيرة».
كما كشف مسؤول أميركي رفيع، في حديث لقناة "العربية"، أن نائب الرئيس، جي دي فانس، سيتولى متابعة المرحلة التالية من المفاوضات من خلال الإشراف على تنفيذ الاتفاق، وسيقود مرحلة المفاوضات الفنية والتنفيذية الخاصة به.
البرنامج النووي الإيراني
بحسب المعلومات المتداولة حول إطار التفاهم، فإن الاتفاق لا يتجاوز إنشاء مهلة تمتد 60 يوماً للتفاوض بشأن مصير مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وكان ترامب قد قال يوم السبت الماضي، وقبل يوم واحد من التوقيع الأولي على "مذكرة التفاهم"، إن قادة النظام الإيراني"لم يعودوا يريدون سلاحاً نووياً، ولن يمتلكوا مثل هذا السلاح؛ لا عبر الشراء، ولا عبر التطوير، ولا بأي وسيلة أخرى للحصول عليه".
وقال جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة مع شبكة "ايه بي سي" يوم الاثنين 15 يونيو، إن مذكرة التفاهم الأولية تضع أمام إيران مسارين.
وأوضح أنه إذا واصلت طهران السعي لإعادة بناء برنامجها النووي، فإن الاتفاق يضمن حرمانها من الموارد اللازمة لذلك. أما إذا كانت مستعدة لتقديم التزام طويل الأمد وقابل للتحقق بالتخلي عن مسار امتلاك السلاح النووي، فإن الولايات المتحدة مستعدة للترحيب بعودة إيران إلى الاقتصاد العالمي ورفع جزء من العقوبات المفروضة عليها.
كما قال مسؤول أميركي رفيع، في حديث لقناة " العربية" إن واشنطن تمتلك "آلية" تمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، مضيفاً أن اتجاه العلاقات والمفاوضات مع إيران سيتضح خلال الثلاثين يوماً المقبلة.
لكن السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل والباحث في المجلس الأطلسي، دانييل بي شابيرو، كتب على منصة "إكس" : "في ما يتعلق بالملف النووي، لا يوجد اتفاق فعلياً". وأضاف أن إيران تعرف كيف تطيل أمد هذه المفاوضات وتحاول انتزاع مكاسب خلالها.
وحذر شابيرو أيضاً من احتمال عدم التوصل إلى أي اتفاق، وحتى إذا تم التوصل إليه، فمن "المرجح جداً" أن يكون أسوأ مما كان يمكن تحقيقه دبلوماسياً قبل اندلاع الحرب.
تحويل الأموال إلى إيران ورفع العقوبات
يشكل رفع العقوبات وتمكين إيران من الوصول إلى مواردها المالية أحد أبرز محاور الخلاف بين روايتي الطرفين.
ففي هامش قمة مجموعة السبع، وعندما سُئل ترامب عما إذا كان الاتفاق يتضمن تخفيف العقوبات على إيران، أجاب: "لا، لا يتضمن ذلك". وأضاف أن إيران يجب أن "تغيّر سلوكها فعلاً"، مؤكداً أن الاتفاق الحالي يركز على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وضمان حرية الملاحة والعبور من دون رسوم.
أما فانس، فأوضح أن إيران "لن تحصل على سنت واحد" ما لم تنفذ التزاماتها. وشدد على أن الولايات المتحدة "لن تدفع دولاراً واحداً" لإيران، وأن ما يجري الحديث عنه يتعلق أساساً بتخفيف العقوبات.
وبحسب فانس، فإن تخفيف العقوبات سيأتي إذا اتخذت إيران خطوات لتدمير مخزونها من المواد المخصبة أو قبلت آلية التحقق التي تطالب بها واشنطن.
كما أشار إلى احتمال حصول إيران على إمكانية الاستفادة من صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، لكنه أكد أن ذلك مشروط بالتزام طهران بتعهداتها، وأن هذا الصندوق سيمول من قبل ائتلاف من دول خليجية.
وقال فانس إن هدف ترامب يتمثل في أن يكون الاتفاق مكسباً للشعب الإيراني أيضاً، لكن ذلك يتطلب "بناء ثقة حقيقية" و"سلوكاً إيجابياً حقيقياً" من جانب النظام السياسي في إيران.
وفي المقابل، تطرح شخصيات مقربة من التيار المتشدد في إيران رواية مختلفة. فقد كتب عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، محمود نبويان، على منصة "إكس" أن الولايات المتحدة تعهدت، وفقاً لمذكرة التفاهم، بإصدار تراخيص من وزارة الخزانة تسمح بتصدير النفط الخام الإيراني والمواد البتروكيميائية ومشتقاتها، إلى جانب جميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما فيها المعاملات المصرفية والتأمين والنقل، إلى حين إنهاء العقوبات.
وأضاف نبويان أن نص المذكرة يتضمن "تناقضاً داخلياً" بشأن الإفراج عن الأموال المجمدة، موضحاً أنه وفقاً للبند 13 يجب تنفيذ البند 11 فوراً، بينما يشترط البند 11 إحراز تقدم في المفاوضات قبل الإفراج عن تلك الأموال.
وطالب بتقديم تقرير مفصل إلى "الشعب الإيراني" حول كيفية تنفيذ مذكرة التفاهم.
ومن جهته، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، وفقاً لما نقلته وكالة "مهر"، إن الاقتصاد الإيراني لا ينبغي أن يكون "معتمداً أو مرهوناً" بمثل هذه الاتفاقات الاقتصادية الناتجة عن التفاوض مع الولايات المتحدة، في تصريحات تعكس سعي المسؤولين الإيرانيين، بالتوازي مع الدفاع عن التفاهم، إلى ضبط التوقعات الاقتصادية المرتبطة به.
معارضة إسرائيل والمتشددين في الداخل الإيراني لنص "مذكرة التفاهم"
على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين قدموا مذكرة التفاهم بوصفها نجاحاً سياسياً لهم، فقد برزت أيضاً ردود فعل معترضة وانتقادات من طرفي النزاع.
وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على منصة "إكس" ، مخاطباً الشعب الإيراني، أن طهران بفضل "الصمود التاريخي" للشعب و"بسالة القوات المسلحة" في مواجهة من قال إنهم سعوا إلى "تدمير إيران وإخضاعها"، قد خطت "خطوة كبيرة نحو النصر النهائي". وأضاف: "نحن صامدون، وفي النهاية ستنتصر إيران".
وفي الجانب الأميركي، قدم مسؤولون كبار في إدارة ترامب مذكرة التفاهم على أنها نتيجة مباشرة للضغوط التي مورست على إيران. وقال مسؤول أمريكي رفيع في حديث لقناة "العربية" إن جرّ إيران إلى طاولة المفاوضات كان ثمرة مباشرة للضغوط المفروضة وتنفيذ الحصار. وأضاف أن إيران قدمت للمرة الأولى تنازلات "غير مسبوقة"، وأن رفع الحصار والعقوبات شجع طهران على مواصلة مسار الحوار.
أما في إسرائيل، فيتمثل القلق الرئيسي في أن يؤدي التفاهم بين طهران وواشنطن إلى تخفيف الضغوط على إيران من دون إلزام واضح بقيود على برنامجها النووي، ودون وقف نهائي لأنشطة حزب الله في لبنان. وأكد مسؤولون إسرائيليون أن بلادهم ليست طرفاً في مذكرة التفاهم، وأن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب لبنان.
وفي الداخل الإيراني أيضاً، أبدى بعض المتشددين قلقهم من بنود التفاهم، بالتزامن مع تكرار رواية "النصر". وتحدث محمود نبويان عن "تناقضات داخلية في النص"، مطالباً بتقرير دقيق حول كيفية تنفيذ مذكرة التفاهم.
كما أفادت وكالة "فارس"، التابعة للحرس الثوري، نقلاً عن مصدر مطلع، بإجراء "تعديلات مهمة" على النص النهائي للتفاهم بين إيران والولايات المتحدة. وذكرت الوكالة أن النص أكد بصورة صريحة دور إيران وسلطنة عمان في تحديد مستقبل خدمات الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بما يرسخ الحقوق السيادية للبلدين على هذا الممر البحري.
الحصار البحري ووضع مضيق هرمز
يُنظر إلى إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري على أنهما أكثر البنود التنفيذية إلحاحاً في "مذكرة التفاهم" ، إلا أن هذا الملف بدوره تحيط به روايات متباينة.
وقال ترامب، على هامش قمة مجموعة السبع، إن مضيق هرمز سيُفتح بالكامل بحلول يوم الجمعة 19 يونيو. كما أكد أن الاتفاق ينص على إعادة فتح المضيق.
وشدد الرئيس الأميركي كذلك على "حرية العبور دون رسوم"، مضيفاً أن الولايات المتحدة والطرف الآخر "ناقشا هذه المسألة لبعض الوقت"، لكن حركة الملاحة ستكون حرة بالكامل بحسب قوله.
وأفادت شبكة "سي إن إن"، صباح الاثنين 15 يونيو، بأن الجيش الأميركي تلقى أوامر بالاستعداد لإنهاء الحصار البحري على مضيق هرمز اعتباراً من يوم الجمعة المقبل، لكنها أوضحت أن تنفيذ هذه الأوامر يبقى مشروطاً بتوقيع الاتفاق بين واشنطن وإيران.
كما نقلت الشبكة عن مسؤول أميركي أن قوات الولايات المتحدة ستبدأ إجراءات رفع الحصار البحري فور توقيع الاتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه الخطة وضعت وفق الظروف الحالية وقد تتغير قبل يوم الجمعة.
ونقلت وكالة "رويترز"، عن مسؤول أميركي رفيع، أن حركة الملاحة في مضيق هرمز بدأت بالفعل في الازدياد، ومن المتوقع أن تواصل ارتفاعها تدريجياً. وأضاف أن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي قد تستغرق نحو أسبوعين.
وقال مسؤول أميركي رفيع لـ "العربية" إن حركة السفن عبر مضيق هرمز ستشهد زيادة كبيرة خلال الأسبوعين المقبلين. وأضاف أن الولايات المتحدة نجحت في إخراج نحو سبعة ملايين برميل من النفط من المنطقة، وأن إيران أدركت أنها لا تملك سيطرة كاملة على مجريات الأمور.
وفي المقابل، قدمت وكالة "فارس" رواية مختلفة، إذ نقلت عن مصدر مطلع أن نص التفاهم ينص على أن إيران ستسمح بمرور السفن دون رسوم لمدة ستين يوماً فقط. وأضاف المصدر أن الولايات المتحدة وافقت على مبدأ فرض الرسوم، لكنها حصلت من طهران على إعفاء مؤقت لمدة ستين يوماً.
وأوضح المصدر أن إيران تعتزم، بعد انتهاء هذه المهلة، الاستفادة من العائدات المالية الناتجة عن مرور السفن التجارية في مضيق هرمز عبر تقديم خدمات السلامة والملاحة وحماية البيئة والتأمين، بهدف دعم التنمية الاقتصادية للبلاد.
كما ذكرت "فارس" أن نص مذكرة التفاهم شهد تعديلات في اللحظات الأخيرة من مفاوضات يوم الأحد، تضمنت تأكيداً "صريحاً ونهائياً" على ممارسة إيران وسلطنة عمان سيادتهما على مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، أصدر الجيش الأميركي مذكرة تحذيرية أكد فيها أن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية سيظل قائماً إلى حين استكمال اتفاق وقف إطلاق النار المقرر في 19 يونيو. وجاء في التحذير: "الحصار العسكري على الموانئ الإيرانية لا يزال سارياً ويقيد جميع عمليات الدخول والخروج من هذه الموانئ." كما حذر الجيش الأمريكي قائلاً: "إلى أن تصدر أوامر صريحة، يُرجى الامتناع عن محاولة العبور".
خروج الولايات المتحدة من المنطقة
من البنود الأخرى المثيرة للجدل في مذكرة التفاهم، ما يُتداول بشأن انسحاب القوات الأميركية من محيط إيران، وهو أمر لم تؤكده السلطات الأميركية علناً حتى الآن.
ونقلت وكالة "تسنيم"، التابعة للحرس الثوري، عن مصدر مطلع أن المادة الرابعة من مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة تنص على انسحاب القوات القتالية الأميركية من محيط إيران بعد ثلاثين يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي.
وأضاف المصدر نفسه أن البند التاسع من مذكرة التفاهم ينص على عدم إرسال الولايات المتحدة أي قوات جديدة إلى المنطقة خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، مقابل امتناع طه٦ عن اتخاذ أي خطوات نووية خلال هذه الفترة.
لبنان وإنهاء الحرب على جميع الجبهات
يُعدّ موقع لبنان في مذكرة التفاهم، والتوترات بين حزب الله، الوكيل المدعوم من النظام الإيراني، وإسرائيل، من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال المفاوضات، وكذلك في الروايات التي صدرت عن الجانبين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي يوم الاثنين 15 يونيو: "إن لبنان وإنهاء الحرب فيه جزء لا يتجزأ من تفاهم إنهاء الحرب".
وأضاف أن اسم لبنان ورد ثلاث مرات في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وأن النص يتضمن عبارة: «إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، واحترام سيادته ووحدة أراضيه».
وبحسب بقائي، فإن أي تفاهم يجب أن يتضمن احترام سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها الوطنية.
كما رحّب حزب الله اللبناني، في بيان، بإدراج اسم لبنان في الاتفاق مع الولايات المتحدة، معتبراً ذلك دليلاً على التزام إيران بوقف الحرب وصون حقوق لبنان.
وفي أول رد فعل علني له بعد الإعلان عن التفاهم، وصف الحزب الاتفاق بأنه «إنجاز كبير» لإيران وقال إنه قد يفضي إلى «التحرير الكامل لأرضنا، وعودة أسرانا إلى وطنهم وعائلاتهم»، إضافة إلى إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب.
وفي المقابل، ترفض إسرائيل الرواية التي تطرحها طهران وحزب الله. ووفقاً للتقارير المتعلقة بمواقف وزراء الحكومة الإسرائيلية، فقد أبلغ المسؤولون الإسرائيليون الرئيس ترامب بوضوح أن إسرائيل ليست طرفاً في مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، وأن قواتها لن تنسحب من جنوب لبنان.
وقال ديفيد مينسر، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رداً على أسئلة وكالة "أسوشيتد برس" ، إن إسرائيل والولايات المتحدة «متوافقتان تماماً» في منع النظام الإيراني من امتلاك سلاح نووي، إلا أن إسرائيل لن تتسامح مع هجمات حزب الله على أراضيها، وستواصل التحرك ضد كل من يسعى إلى إيذاء مواطنيها.
ودعا الجيش اللبناني سكان القرى التي تم إخلاؤها في المناطق الحدودية الجنوبية إلى عدم التسرع في العودة، والالتزام بالتعليمات العسكرية بسبب مخاطر «الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية».
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عن هجوم بطائرة مسيرة إسرائيلية على لبنان، صباح الاثنين، فيما حذر حزب الله في بيان من أنه لن يقبل بأي هجوم ينتهك سيادة لبنان أو يستهدف المواطنين اللبنانيين.